2.2 تريليون درهم.. قمة جديدة

في التجربة الإماراتية، لا يولد الرقم الكبير من فراغ، ولا يُعلن الهدف الاستراتيجي ليبقى معلقاً في المستقبل. حين أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مستهدف رفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في الدولة إلى 2.2 تريليون درهم بحلول عام 2031، كان الإعلان امتداداً لسجل واضح، الإمارات تضع الهدف، ثم تبني حوله الطريق إلى الإنجاز.

قوة هذا المستهدف أنه يستند إلى تاريخ قريب ومقروء. فعندما أُعلن هدف الوصول إلى تريليون درهم في رصيد الاستثمار الأجنبي، كان الرقم محطة كبيرة في مسار الاقتصاد الوطني. والدولة تعاملت معه كمرحلة عمل وفعل، حيث تم تجاوز هذا الحاجز خلال العام الماضي، ليصل الرصيد إلى 1.17 تريليون درهم، مع تدفقات قياسية بلغت 177.3 مليار درهم في 2025. هذه الأرقام تقول بوضوح إن الإمارات لا تتحرك نحو 2.2 تريليون من نقطة بداية، بل من قاعدة قوية، أصبحت جاهزة لمضاعفة الأثر.

الاستثمار الأجنبي، في معناه البسيط، هو ثقة قبل أن يكون مالاً، فالمستثمر يضع أمواله في بلد، لأنه يرى قانوناً واضحاً، وبنية تحتية تعمل، وقراراً سريعاً، وسوقاً مفتوحة، وأمناً اقتصادياً وسياسياً. وهذه عناصر تحولت في الإمارات إلى ميزة يومية، يشعر بها المستثمر من لحظة تأسيس الشركة حتى توسعها. لذلك أصبح حضور الدولة في تقارير الاستثمار العالمية، نتيجة طبيعية لبيئة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تنفذ. والطريق إلى 2.2 تريليون أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، لأن المشاريع المعلنة في الفترة الأخيرة، لا تعمل في جزر منفصلة، إنما على نمط منظومة واحدة.

في أبوظبي، يأخذ الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة موقعه كقاطرة جديدة للنمو، مشاريع مثل «ستارغيت الإمارات»، تعني جذب شركات عالمية، وبناء قدرات معرفية، وفتح قطاعات جديدة في الصحة والطاقة والتمويل والصناعة. هذه استثمارات تصنع اقتصاداً جديداً حولها.

وفي دبي، تستمر المشاريع الكبرى في تعزيز مكانة المدينة منصة عالمية للأعمال، منها توسعة مطار آل مكتوم الدولي، وأجندة دبي الاقتصادية D33، وتطوير الخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، كلها تتحرك في اتجاه واحد، وهو جعل دبي مكاناً تبدأ منه الشركات أعمالها، وتدير منه عملياتها، وتصل عبره إلى أسواق أوسع. هنا يصبح الاستثمار الأجنبي جزءاً من دورة حياة المدينة، لا حدثاً منفصلاً عنها.

أما تطوير ميناء الفجيرة، وتوسعة ميناء خورفكان باستثمارات تقارب ملياري دولار، فيضيفان بعداً استراتيجياً مهماً للمشهد. فالموانئ ليست أرصفة وسفن، هي شرايين تجارة، وضمانة لسلاسل الإمداد، ومساحات لجذب الصناعة والخدمات والنقل والتخزين. وكلما زادت قوة هذه الشرايين، زادت قدرة الإمارات على استقبال الاستثمارات التي تبحث عن موقع آمن وسريع ومرتبط بالعالم.

والأهم أن هذه المشاريع لا تضخ المال في البنية التحتية وحدها، إنما تخلق طلباً جديداً على الشركات، والمواهب، والتقنيات، والخدمات المالية، والحلول الصناعية. ومن هنا يتضاعف أثر كل درهم مستثمر، فالمطار يجذب التجارة والسياحة، والميناء يجذب الصناعة والتخزين، والذكاء الاصطناعي يجذب العقول والشركات عالية القيمة، والمنظومة التشريعية تجمع هذه العناصر في بيئة واحدة، قادرة على النمو المستمر.

لهذا، فإن مستهدف 2.2 تريليون درهم بحلول 2031، يُقرأ كمرحلة تسير إليها الدولة بثقة. سجل السنوات الماضية هو الدليل الأقوى، ما تعلنه الإمارات يتحول إلى خطة ومشروع، وصولاً للنتيجة. ومن هنا، فإن الإنجاز القادم لا ينتظر عام 2031 ليُثبت نفسه، فمؤشراته تتشكل اليوم على الأرض، وباللغة التي تفهمها الأسواق قبل الكلمات، وهي «لغة التنفيذ».