من يحكم إيران؟

«من يحكم إيران؟»، سؤال يلقى جاذبية كبيرة لدى المحللين، ويشد انتباه الناس في هذه الأيام أكثر مما هو معتاد، مع أنه في الحقيقة هذا السؤال عمره يتجاوز أكثر من عقدين من الزمن، حيث ترجم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عام 2003 كتاباً يحمل هذا العنوان لمؤلفه الباحث الألماني ويلفريد بوختا.

السبب الرئيسي لهذا الاهتمام كان في غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن مراسم تشيع والده آية الله علي خامنئي، الذي قتل في 28 من فبراير الماضي مع بروز أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري، على اعتبار غياب الأول مجتبى، وحضور الآخر وحيدي يعطي إشارة حول مستقبل المشهد السياسي الإقليمي والدولي باعتبار أن هناك تيارين سياسيين إصلاحي ومحافظ، أحدهما يؤيد التفاوض، والآخر يرفض ويقصف دول الجوار، ويغلق مضيق هرمز.

في علم العلاقات الدولية وتحديداً في النظرية الواقعية يتركز الانشغال للحكومات حول سلوك السياسة الخارجية للدولة، فهذا ما يؤثر على جواره، وبالتالي فالسؤال أو الجدل البحثي ينبغي أن يتركز حول «لماذا» اتخذ النظام الإيراني قرار عدوانه على جواره الجغرافي؟

أما من يحكم إيران فأظنه شأناً داخلياً وأمراً يخص الشعب الإيراني، وإذا كان علينا التركيز فيه فيكون كيف يتم صناعة القرار، والأهم من ذلك هو متخذ هذا القرار؛ ما إذا كان متخذ القرار فرداً أو مؤسسة، وما ميوله السياسية هل هو متطرف أو عسكري دكتاتوري، أم سياسي؟

ما أريد أن أصل إليه من هذا الشرح النظري نقطتان هما، النقطة الأول: علينا ألا نهدر الكثير من الوقت في مناقشة عدم ظهور المرشد الجديد علناً حتى الآن، ولا علينا أن نناقش لماذا خرج وحيدي، وبرز أكثر في مراسم الجنازة، لأن ذلك لا يؤثر في نتيجة محددة، ولن يتمكن أحدنا من قراءة منطقية، فطبيعة النظام الإيراني ربما «حالة خاصة» في علم النظم السياسية، فهو يمارس سياسة خاصة في اختيار رئيس البلاد، وفي اختيار أعضاء مجلس الشورى «البرلمان»، ولكن الدخول في التفاصيل تجد صعوبة في فهم كيفية صناعة القرار، وفي اتخاذه، فهو مؤسسي من ناحية، وفردي من ناحية أخرى.

النقطة الثانية: أن مناقشة الاختلافات السياسية بين المحافظين والإصلاحيين لا يوصلنا إلى تحليل قرارات السياسة الخارجية الإيرانية من خلال الخلافات بين التيارات السياسية كما هو متعارف عليه في النظم السياسية الطبيعية، فمثلاً بقدرتك معرفة اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية عندما يتم انتخاب رئيس جمهوري «الرئيس ترامب استثناء»، كما يمكن استقراء الاهتمامات الخارجية لرئيس يمثل الحزب الديمقراطي أو ملفات التدخل، لكن هذا صعب مع النظام الإيراني.

عملياً في إيران نحن أمام تيارات سياسية مختلفة أو متنافسة حول كيفية التعامل مع الخارج أو الجوار الجغرافي، فمعروف عن السلطة السياسية، والتي يمثلها رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ومعه وزير خارجيته عراقجي، ومعهما قاليباف يمثل التفاوض، في حين الحرس الثوري يعمل على تخريب مذكرة التفاهم، التي وقعت منذ فترة، وهو تقريباً القابض على السلطة الفعلية.

ومسألة وجود تيار متشدد، وآخر وسطي هو نوع من توزيع الأدوار لإعطاء مساحة للمناورة مع الخارج حول شكل التنازل وسقفه، الذي ينبغي منحه للطرف الآخر وفق قدرة النظام في زمن معين، ولكن يبدو في النظام الإيراني أن الحرس الثوري هو المتغلغل في السلطة أكثر، وهذا لا يخدم الدولة الإيرانية ولا شعبها خصوصاً أن العدوان الإيراني على الدول الخليجية التي هي جارة له.

في إيران هناك من يقدم وعوداً للمجتمع الدولي مثل فتح مضيق هرمز، ومن كان يقصف السفن ففي الاثنين السلوك واحد، ومن يخرج أو يشذ عن التشدد والتطرف خارجياً يتم إقصاؤه أو وضعه في الإقامة الجبرية.

من المفروض أن يكون لإيران سياسة خارجية واحدة، فهذا هو الطبيعي والمتعارف عليه في العلاقات الدولية، أما السلوكان الخارجيان فطرف يقدم وعوداً للمجتمع الدولي مثل فتح مضيق هرمز، والآخر يقصف السفن، فهذا يخلق نوعاً من عدم الاطمئنان، ويعرقل العمل مع بعض.

المأمول من إيران، والتي تربطها بدول الخليج علاقات جوار أن تنظر بواقعية وإيجابية تجاه سلوكها مع الجوار الجغرافي، وأن تكف عن سياستها العدوانية.