تهيئة العقول قبل الوعود

عندما تصبح مكافحة الفساد هي الفساد بعينه!

تُروى حكاية ساخرة، لكنها تختصر كثيراً من الحقائق التي تواجهها بعض المجتمعات عند محاولة الإصلاح.

قررت إحدى الدول أن تعلن حرباً على الفساد الإداري، فوضعت كاميرات مراقبة في المؤسسات الحكومية لرصد المخالفات وكشف المرتشين، معتقدة أن التكنولوجيا وحدها كفيلة بالقضاء على المشكلة. بدا القرار في ظاهره حازماً، وأوحت الإجراءات الجديدة بأن مرحلة مختلفة قد بدأت، وأن الفساد أصبح تحت المراقبة.

لكن الواقع كشف شيئاً آخر.

دخل أحد المراجعين إلى إحدى الدوائر لإنجاز معاملة اعتاد أن يدفع مقابل تسريعها مبلغاً بسيطاً كرشوة. في السابق كان يدفع مئة، لكنه فوجئ بأن الموظف طلب هذه المرة مئتين.

استغرب الرجل وسأل الموظف:

«لماذا تضاعف المبلغ؟»

ابتسم الموظف وأجاب بكل برود:

«نصفها لمراقب الكاميرات يا سيدي!»

انتهت القصة كما بدأت؛ دفع المراجع، وقبض الموظف نصيبه، وقبض مراقب الكاميرات نصيبه، وأنجزت المعاملة، بينما بقي الفساد حياً، بل أصبح أكثر تنظيماً وتقاسماً للمكاسب.

قد تبدو هذه الحكاية مبالغاً فيها أو ساخرة، لكنها تحمل درساً عميقاً في فلسفة الإدارة والإصلاح. فالمشكلة لم تكن في غياب الكاميرات، ولا في ضعف الأنظمة، بل في غياب الضمير. فعندما يكون الفساد مستقراً في العقول، فإنه يجد دائماً طريقاً للالتفاف على القوانين والأنظمة، مهما بلغت دقتها.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالأجهزة ولا بالتقنيات ولا بالشعارات، وإنما يبدأ ببناء الإنسان. يبدأ بإرساء العدل، وتعزيز الشفافية، وترسيخ المساءلة، وغرس ثقافة تعتبر الفساد خيانة للمجتمع قبل أن تعتبره مخالفة قانونية.

وينطبق هذا المبدأ على مختلف مجالات التنمية.

فإذا أردت تطوير السياحة، فلا يكفي أن تبني الفنادق وتطلق الحملات الدعائية، بل يجب أن تهيئ المجتمع، وترتقي بالخدمات، وتنشر ثقافة احترام السائح وجودة الخدمة.

وإذا أردت جذب الاستثمارات، فلن يكفي عقد المؤتمرات أو الإعلان عن الحوافز، بل يجب أن توفر بيئة قانونية مستقرة، وعدالة ناجزة، وإجراءات واضحة تمنح المستثمر الثقة قبل رأس المال.

وإذا أردت الحد من الجريمة والاحتيال والغش، فلا يكفي تشديد العقوبات، بل يجب أن يشعر الجميع بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن العدالة لا تعرف المحاباة.

أما الإعلام، فلا يكفي أن تنشئ القنوات والمنصات أو تصدر اللوائح والأنظمة، لأن الإعلام يفقد قيمته عندما يفقد أخلاقه. فالإعلامي الذي لا يؤمن بالأمانة والموضوعية واحترام الحقيقة يستطيع أن يحول أي منصة إلى أداة للتضليل، مهما كانت إمكاناتها التقنية أو التنظيمية. فالمهنية ليست قراراً إدارياً، بل ثقافة وسلوك ومسؤولية.

إن نجاح أي سياسة عامة لا يقاس بعدد القرارات التي تصدر، ولا بحجم الميزانيات التي تنفق، وإنما يقاس بقدرتها على تغيير السلوك الإنساني وصناعة ثقافة جديدة تؤمن بالإصلاح من الداخل قبل أن تفرضه من الخارج.

ولهذا تبقى قاعدة التنمية الأهم بسيطة وواضحة: لا تطلق الوعود قبل أن تهيئ العقول، ولا تبنِ المؤسسات قبل أن تبني الإنسان، ولا تعتمد على الأدوات وحدها إذا كانت الثقافة التي تديرها ما زالت تعاني الخلل.

فكما لا يدعو الإنسان ضيفاً إلى منزله قبل أن يهيئ له المكان ويعد له الطعام، لا ينبغي للدول أن تطلق المشاريع الكبرى قبل أن تهيئ لها الإنسان القادر على إنجاحها.

هذه هي الحكاية... وهذه هي العبرة.