لغة تقرأ بالقلب قبل اللسان

اعتدت أن اقتطع من ليل الدنيا ساعة لا يشاركني فيها أحد؛ ساعة ألوذ فيها بالله قبل أن يصدح الفجر بأذانه، وأجلس بين يدي كتابه، لا أبحث عن نهاية وردٍ أقرؤه، بل عن بداية يقظةٍ أعيشها وفي ليلةٍ أثقلها السكون، بينما كان الظلام ينسحب رويداً رويداً أمام خيوط الفجر الأولى، فتحت المصحف، فوقعت عيناي على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

لم أتوقف عند المعنى وحده، بل وقفت مأخوذة بالطريقة التي أرادها الله عز وجل ليكشف لنا بها المعنى. أدركت أن عظمة الخالق في كل حرف وكل كلمة وضعت في موضعها الصحيح، تدخل كلماته بهدوء إلى قلبك، ويشعرك بسكينة فلا توصل لك المعنى فحسب وإنما الشعور أيضاً.

كلمات فيها من الإعجاز البياني ما لا تملكه أي لغة أخرى من لغات العالم، وكل صورة تُفضي إلى صورة أخرى، حتى يبلغ القارئ يقيناً لم تصنعه العبارة وحدها، بل تجلّت فيه عظمة الله وإعجاز كتابه الكريم.

فلغة كتاب الله «لغة إعجاز» تقف أمام عظمتها وتدرُّج المشهد، وانسياب النور من مشكاةٍ إلى مصباح، ومن مصباحٍ إلى زجاجة، ومن زجاجةٍ إلى كوكبٍ درٍّي، حتى ينتهي القلب إلى قوله: ﴿نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، لتكون اللغة نفسها قد بلغت غايتها، فلم يعد بعدها ما يقال.

تساءلتُ في نفسي: كيف للغةٍ بلغت هذا المقام من الجمال والبيان، واجتمع لها شرف الوحي وشرف الهوية، أن تتراجع مكانتها على ألسنة بعض أبنائها أمام لغاتٍ أخرى، وهي لغة الدين والحضارة، والعلم والمعرفة والثقافة؟

إن تقدم الأمم لا يتحقق بالتخلي عن هويتها، بل بالانطلاق منها، كرافعة وأساس لكل علم وتقدم. فالتطور الحقيقي لا يعني أن يتجرد الإنسان من لغته وثقافته ليذوب في هويةٍ أخرى، بل أن ينفتح على لغات العالم وثقافاته وهو أكثر تمسكاً بجذوره الأصيلة.

فتعلم اللغات يثري العقل ويوسع الأفق، أما استبدال الهوية بها فهو فقدان لا مكسب فيه.

الأمم الراسخة لا ترى في لغتها عائقاً أمام النهضة، بل تعتبرها الأساس الذي تُبنى عليه. ومن هذا المنطلق أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن الحفاظ على الهوية الوطنية، والتمسك بالقيم الأصيلة، وصون اللغة العربية، مسؤولية وطنية مشتركة، وأولوية استراتيجية تواصل قيادة دولة الإمارات ترسيخها، إيماناً بأن قوة الأمم تنبع من أصالة هويتها، واعتزازها بلغتها، وتمسكها بقيمها، بما يعزز مسيرة التنمية ويصون إرث الوطن للأجيال القادمة. حدِّثوا أبناءكم كما حدَّثنا آباؤنا؛ ازرعوا فيهم حبَّ لغتهم، واعتزازهم بهويتهم وتراثهم التليد، وفخرهم بتاريخهم المجيد.