محمد بن زايد والأسرة.. فلسفة بناء الإنسان والمستقبل

سرّني كثيراً، بل وأثلج صدري، ذلك الصدى الواسع والتفاعل الاستثنائي الذي حظي به لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بالعائلات الإماراتية الكبيرة الممتدة.

ولم يكن ذلك الاهتمام انعكاساً لمكانة هذا اللقاء فحسب، بل لأنه جسد بصورة عملية رؤى صاحب السمو رئيس الدولة في قراءة المجتمع بعمق شديد، وفهم الإنسان، واستشراف المستقبل..

فعندما يؤكد سموه أن الأسرة المستقرة والممتدة، تمثل الركيزة الأساسية لحماية الهوية والقيم، فإنه يقدّم رؤية حضارية، ترى أن رأس المال الحقيقي للدول يبدأ من الإنسان، والإنسان يبدأ من أسرته، حيث تتكون شخصيته الأولى، وتتشكل ذاكرته ويولد انتماؤه.

بالطبع نحن كخبراء علم اجتماع وتراث، نراقب التحولات الرقمية المتسارعة حول العالم، وكيف تضاعف تداخل الثقافات بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح سؤال الهوية من أكثر الأسئلة حضوراً في الفكر السوسيولوجي المعاصر.. فالتحدي لم يعد متعلقاً بسرعة انتقال المعرفة، وإنما بقدرة المجتمعات على المحافظة على شخصيتها الثقافية وهي تنفتح على العالم.

ولذلك تمثل الرؤية الاستشرافية لصاحب السمو رئيس الدولة بإعلان عام 2026 عاماً للأسرة، واحتفائه بالعائلات الإماراتية الكبيرة الممتدة، بعداً استراتيجياً يضع الأسرة في قلب منظومة الأمن الثقافي للدولة، ويقدمها بوصفها البيئة الأولى التي تتحول فيها القيم إلى سلوك، والتراث إلى ممارسة، والانتماء إلى جزء من تكوين الإنسان.

يُجمع علماء الاجتماع على أن الإنسان لا يولد وهو يحمل هوية مكتملة، وإنما يولد وهو يمتلك القدرة على اكتسابها، والأسرة هي الفضاء الأول الذي يمنح هذه القدرة ملامحها الثقافية والأخلاقية..

ففيها يتعلم الطفل لغته الأولى، ويكتسب أسلوب الحوار، ويدرك معنى المسؤولية، ويحفظ العادات والتقاليد، ويتشرب منظومة القيم التي ترافقه طوال حياته..

وهذا ما أكده عالم الاجتماع، موريس هالبواخ، أن ذاكرة الإنسان تتشكل من خلال الأطر الاجتماعية التي يعيش فيها.. والأسرة هي أول وأعمق هذه الأطر، والأسرة هي التي تحدد ما هو تراث وما هو نسيان.. ولهذا حين تغيب الأسرة أو تضعف، يضعف معها ناقل التراث الأساسي.

ولهذا ظلت الأسرة عبر مختلف الحضارات، المؤسسة التي تنتج الهوية، قبل أن تتولى المدرسة صقلها، وتتولى مؤسسات الدولة تنظيمها. ويميز الفكر السوسيولوجي بين المعرفة التي يكتسبها الإنسان بالتعليم، والمعرفة التي تتشكل بالمخالطة اليومية، فالمدرسة تمنح المعلومات، أما الأسرة فتصوغ الشخصية.

وفي البيت الإماراتي تنتقل منظومة السنع، وآداب المجالس، واحترام الكبير، وروح التكافل، وثقافة العمل، من خلال الممارسة اليومية التي يصعب استبدالها بأي وسيلة تعليمية أخرى.. ولهذا بقيت الأسرة المؤسسة الأكثر قدرة على تحويل الثقافة من معرفة ذهنية إلى سلوك اجتماعي مستقر.

ومن هنا تكتسب العائلات الإماراتية الكبيرة الممتدة، مكانة استثنائية في البناء الاجتماعي للدولة.. فكلما اتسعت الأسرة، اتسعت معها الذاكرة الحية للمجتمع، وجود الأجداد والآباء والأحفاد في نسيج اجتماعي واحد، يضاعف فرص انتقال الخبرات والقيم واللغة والسنع بصورة تلقائية.

ويجعل التراث يعيش داخل العلاقات الإنسانية، قبل أن يعيش في الكتب والمتاحف.. ولهذا يمكن النظر إلى العائلات الإماراتية الكبيرة باعتبارها أرشيفاً اجتماعياً حياً، حفظ ذاكرة الوطن عبر الأجيال، وأسهم في ترسيخ الشخصية الإماراتية التي نعرفها اليوم.

وتبرز أهمية هذه الرؤية في مرحلة أصبحت فيها منصات التواصل الاجتماعي والفضاءات الافتراضية تشارك الأسرة في تشكيل وعي الأبناء، وفي ظل هذا الواقع، تتضاعف قيمة البيت الإماراتي، بوصفه المساحة التي يتعلم فيها الأبناء التفكير، والحوار، والاعتزاز باللغة العربية، والارتباط بتاريخ وطنهم، والتعامل بثقة مع العالم، دون أن يفقدوا بوصلتهم الثقافية.. فالحصانة الفكرية تبدأ من الأسرة، ثم ترافق الإنسان في جميع مراحل حياته.

وتقدم دولة الإمارات نموذجاً حضارياً متوازناً، يجمع بين الريادة العلمية والرسوخ الثقافي.. فهي تمضي بثقة في مجالات الذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء، والاقتصاد المعرفي، بالتوازي مع اهتمامها بالأسرة، واللغة، والتراث، والهوية الوطنية..

وهذه المعادلة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التنمية، باعتبارها مشروعاً لبناء الإنسان، قبل أن تكون مشروعاً لبناء الاقتصاد، لأن المجتمعات القادرة على المحافظة على منظومتها القيمية، تمتلك قدرة أكبر على استيعاب التغيير، وتوجيهه لخدمة مستقبلها.

ولعل الرسالة الأعمق التي تقدمها رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، تتمثل في إعادة الاعتبار للأسرة، بوصفها مؤسسة حضارية تصنع مستقبل الدولة..

فكل بيت متماسك، يضيف إلى الإمارات رصيداً جديداً من الوعي، وكل عائلة تحافظ على قيمها وتراثها، تسهم في إعداد جيل يجمع بين المعرفة والانتماء، وبين الطموح والوفاء، وبين الانفتاح على العالم والاعتزاز بالجذور.. وهكذا تواصل الإمارات بناء مستقبلها من المكان الذي بدأت منه دائماً، الإنسان، والأسرة، والقيم التي صنعت قصة هذا الوطن منذ البدايات الأولى.