قصة مبدع لـقب بـ«ظريف لبنان»

نجيب حنكش
نجيب حنكش

في العصر الذهبي للبنان، أي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كان اسم نجيب حنكش يملأ الفضاء ويزين المجلات والصحف، ويتردد على الألسنة. لم يكن الرجل وقتها مجرد شخصية شاملة جمعت بين الشعر والكتابة والعمل الإعلامي والتلحين وتأليف الطرائف وإنما كان ظاهرة لبنانية اجتماعية ثقافية فنية، يستأنس المشاهير والأثرياء والأعلام والساسة بصحبتها، ويتزاحم الناس على طرق أبوابها، وتمتلئ الأجواء الصامتة بالبهجة والمرح والصخب بوجودها، فلا عجب أن يطلق عليه الصحافي الكبير سعيد فريحة لقب «ظريف لبنان». كان حنكش، باختصار شديد، شخصية مرحة محبوبة أينما حل، وصاحب قدرة عجيبة على انتزاع الابتسامة والضحك ممن حوله، لكنه كان يخفي في داخله حزناً عميقاً على سنوات طويلة من عمرهن ذاق فيها اليتم والفقر والحرمان في وطنه، والاغتراب والعزلة والشقاء في مهجره.

ولد في حي مار إلياس في زحلة سنة 1899، وعاش حياة نصف ريفية ونصف مدنية، ودفعه الفقر إلى مغادرة وطنه إلى البرازيل في عام 1922، وهو في مقتبل شبابه، أملاً في تحسين أحواله المعيشية، وهناك بدأت ملحمة كفاحه، التي سرقت من عمره سنوات طويلة، تنقل فيها من مهنة إلى أخرى، فقد مارس الغناء، وكتب في الصحافة، وألف النكت والطرائف، وأسس صحيفة بمدينة ساوباولو سنة 1934 تحت عنوان «جريدة لبنان»، واشتغل بائعاً يحمل بضاعته في صندوق فوق ظهره، ويتنقل بها من مكان إلى آخر سيراً على الأقدام لبيعها على أصحاب الدكاكين، كما عمل إبان تلك الفترة في توزيع فيلم «الوردة البيضاء» المصري في أوساط الجالية العربية بالبرازيل، وشارك بالغناء وإطلاق النكات في بعض الحفلات الموسيقية.

بعد 25 عاماً من الاغتراب والعذاب تمكن من جمع مبلغ من المال ليؤسس به مشاريعه، ويحقق طموحاته في حياة كريمة مستقرة داخل وطنه الأم، الذي ظل يشتاق إليه، ويتردد عليه بين الفينة والأخرى. ونجح من خلال تلك الرحلات إلى لبنان أن يبني علاقات طيبة مع الطبقة السياسية والمخملية، ويخترق أوساطها بما أوتي من مواهب الظرافة والطرافة، وأناقة التصرف وحلاوة اللسان.

وفي عام 1947 قرر أن يترك البرازيل ويستقر في لبنان، بعد أن تأكد من ذيوع صيته وانتشار اسمه في الأوساط السياسية والمالية والاجتماعية والصحافية كونه لبنانياً عصامياً من المهجر اللاتيني. اختار حنكش أن يستثمر جزءاً من الثروة التي جمعها بجهده وكفاحه في لبنان، وتحديداً في قطاع السياحة، الذي كان رأسمال لبنان الأقوى آنذاك، وهكذا نجده يمتلك أو يشترك في ملكية مطاعم فاخرة مثل مطعم الأوبرج، ومطعم كازينو الوادي، علاوة على ملكية فندق «شتورا بارك أوتيل». ومن خلال هذه المناهل التي كان يتردد عليها المشاهير وعلية القوم وطد علاقاته الاجتماعية، حتى صار صديق كل نجم، ونجم كل محفل.

واقتحم الصحافة اللبنانية فكتب أولاً الأخبار والقصص المبهرة بتوابله الخاصة، والفكاهات والطرائف باللهجة العامية في جريدة «زحلة الفتاة» و«التلغراف»، ثم في أسبوعية «الصياد»، التي أسسها صديقه سعيد فريحة، الذي لم يكن يقل عنه شهرة وظرافة وأناقة وتلقائية، ومن الصحافة تمكن من اقتحام التلفزيون اللبناني، فأطل من شاشته ذات اللونين الأبيض والأسود، ليقدم برامج عدة، من بينها برنامج أسبوعي كان يستضيف فيه نخبة أهل الفن من مواطنيه كصباح ووديع الصافي وفيروز ونصري شمس الدين والأخوين رحباني وفريد الأطرش وعبدالسلام النابلسي.

إلى ما سبق، أصدر، على مراحل، عدداً من المؤلفات حملت عناوين مثل: «حنكشيات متنوعة» و«ذكريات حنكشية»، ضمنها طرائفه ومقالاته وخلاصة تجاربه في الحياة وذكرياته في مهجره البرازيلي. وكانت صفحات المقدمة في هذه المؤلفات بقلم زملائه وأصدقائه من المشاهير، فتارة بقلم ميخائيل نعيمة، وتارة أخرى بقلم سعيد فريحة، وهكذا.

ومما يذكر له من مآثر أنه اقتبس من لحن «لا كومبارسيتا» الأرجنتيني الشهير موسيقى أغنية «أعطني الناي وغنِّ» التي كتب كلماتها جبران خليل جبران، لتصبح واحدة من أيقونات فيروز الغنائية.

ودع حنكش الدنيا في بيروت في 17 أبريل سنة 1979، ففقد لبنان حنكشه الظريف.