كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين إيران وجيرانها الذين مارست العدوان عليهم على مدى أكثر من أربعة شهور، وأمطرت سماءهم وأرضهم بالصواريخ والمسيرات بادعاء الرد على الولايات المتحدة التي وقعت إيران مذكرة تفاهم معها.
وجلست في سويسرا على طاولة واحدة مع الذين قتلوا مرشدها وقياداتها العليا، ودمروا منشآتها العسكرية والاقتصادية، واستهدفوا مشروعها النووي الذي صرفت عليه مليارات الدولارات، على حساب مشاريع التنمية التي كان يجب أن تذهب إليها هذه المليارات المهدرة؟
في السياسة كما في العلاقات الإنسانية، لا تُبنى الثقة بمجرد توقيع اتفاق، ولكنها قد تُهدم بحدث واحد. فهي عملية طويلة ومعقدة، تحتاج إلى إرادة صادقة، وسلوك متسق، وتراكم من المواقف التي تؤكد أن ما يقال في قاعات التفاوض ينعكس فعلاً على أرض الواقع.
لقد عاشت المنطقة عقوداً من التوتر والشكوك المتبادلة. وكانت دول الخليج العربية تنظر بقلق إلى السياسات الإيرانية في المنطقة، وفي عدد من الساحات العربية، وإلى الخطاب الذي رافق تلك السياسات، وإلى محاولات توظيف الانقسامات الطائفية لخدمة أهداف سياسية واستراتيجية.
هذه البيئة المشحونة جعلت الثقة سلعة مفقودة في كثير من الأحيان. ولهذا فإن أي اتفاق جديد بين واشنطن وطهران لن يكون كافياً وحده لإقناع دول الخليج العربية بأن صفحة الماضي قد طويت، وأن مرحلة جديدة بدأت بالفعل. فالثقة لا تُمنح، ولكنها تُكتسَب.
من المؤكد أن تخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يمثل تطوراً إيجابياً من حيث المبدأ. فالمنطقة دفعت ثمناً باهظاً للصراعات والحروب والأزمات المتلاحقة.
غير أن دول الخليج العربية لا تنظر إلى المسألة من منظور الملف النووي فقط، وإنما من منظور أشمل يتعلق بالأمن الإقليمي، والاستقرار السياسي، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ولذلك فإن الطريق نحو إعادة بناء الثقة يمر عبر إجراءات عملية أكثر من مروره عبر بيانات سياسية.
تحتاج المنطقة إلى رؤية أفعال ملموسة تؤكد أن إيران تتجه فعلاً نحو تبني سياسة تقوم على حسن الجوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وتحتاج كذلك إلى التأكد من أن أي موارد مالية أو اقتصادية ستحصل عليها طهران نتيجة الاتفاق لن تتحول إلى أدوات لتعزيز بؤر التوتر والصراع، وإنشاء المزيد من الخلايا الإرهابية.
لقد أثبتت التجربة أن دول الخليج ليست ضد الحوار. وشهدت السنوات الأخيرة مؤشرات مهمة على وجود رغبة في خفض التوتر وفتح قنوات التواصل. كما شهدت المنطقة سلسلة من اللقاءات والاتصالات التي عكست إدراكاً متزايداً بأن الصدام الدائم لا يخدم أحداً.
لكن الحوار وحده لا يكفي. فالثقة الحقيقية تُبنى عندما يشعر الجميع بأن أمنهم محترم، وأن حدودهم مصانة، وأن استقرارهم ليس ورقة في أي صراع إقليمي أو دولي.
لعل ما يميز دول الخليج اليوم أنها دخلت مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي. فهذه الدول لم تعد منشغلة بإدارة الأزمات لأنها تركز على بناء المستقبل. هناك مشاريع تنموية عملاقة، واستثمارات بمئات المليارات، ورؤى اقتصادية طموحة تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وخلق مجتمعات أكثر ازدهاراً واستقراراً. ومن الطبيعي أن يكون الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لإنجاح هذه الخطط.
من هذا المنطلق، فإن إيران نفسها ستكون المستفيد الأكبر إذا اختارت طريق التعاون بدلاً من التنافس الصفري. فالمنطقة تمتلك من الموارد والإمكانات ما يجعلها واحدة من أهم مناطق العالم اقتصادياً واستراتيجياً. وما يمكن تحقيقه عبر الشراكات والتكامل يفوق بكثير ما يمكن تحقيقه عبر الصراعات والنزاعات.
الجولة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في المنطقة الأسبوع الماضي، والاجتماعات التي عقدها مع عدد من المسؤولين الخليجيين، والبيانات التي صدرت عنها، لم تنجح حتى الآن في طمأنة دول الخليج العربية، بدليل أنه ما أن غادر الوزير الأمريكي المنطقة حتى قامت إيران بعرقلة الملاحة في مضيق هرمز.
وعندما قصفت القوات الأمريكية بعض المواقع الإيرانية رداً على هذا الإجراء المُجَرَّم دولياً، عادت إيران إلى إطلاق المسيرات والصواريخ على مملكة البحرين ودولة الكويت. فأين هي الثقة؟
أمن الخليج تصنعه دول المنطقة عندما تختار التعاون بدلاً من الاعتداء، والتنمية بدلاً من الصراع، والثقة بدلاً من الشك. هذا ما يجب أن تدركه إيران، نجحت مفاوضاتها الماراثونية مع الولايات المتحدة أم لم تنجح.