حين تتواضع اللغة أمام الأثر

كثيراً ما تستوقفني المحاورات التي كان يقيمها سقراط، وفلسفته القائمة على الحجاج العقلي والأسئلة العميقة التي أقنعت أعداداً كبيرة من معاصريه. ومن بين تلك المحاورات التي استهوتني محاورته مع «أيون»، ذلك الخطيب والشاعر الذي ربما لم ينلْ من التوثيق التاريخي ما يستحقه.

ورغم أن الحوار بين سقراط و«أيون» طويل ومتشعب - بحسب ما يرويه أفلاطون- فإن فكرةً بعينها أخذتني إلى آفاقٍ واسعة من التأمل؛ إذ يرى سقراط أن الإبداع الحقيقي في الحديث عن الشخصيات العظيمة، واستحضار سماتها القيادية والإنسانية.

والتغني بمآثرها بإسهاب وصدق، لا يصدر من الكاتب أو الشاعر وحده، بل إن مصدره إلهامٌ علوي يتجاوز حدود القدرة البشرية. وكأن هناك قوةً خفية تدفع الكلمات إلى مواقعها، وتمنح الكاتب قدرةً استثنائية على تصوير الجمال والعظمة وإقامة الأدلة والبراهين التي تسند رؤيته.

وفي عصرنا الحاضر، وبعد نعمة الإسلام واكتمال البيان، تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحاً في ضوء الحديث الشريف الصحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال:

«إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».

وعلى الرغم من اختلاف المنطلق بين التصور الفلسفي والتصور في الإسلام، فإن المعنى يلتقي في نقطة جوهرية؛ وهي أن هناك أشخاصاً يضع الله لهم القبول والمحبة في القلوب، فتتسابق الكلمات لنيل شرف الحديث عنهم، وتتزاحم المعاني لتصف أثرهم، ويجد الكاتب نفسه أمام مهمة ليست سهلة، لأن اللغة مهما اتسعت تبقى عاجزة عن الإحاطة بجميع جوانب العظمة.

ومن هذا المنطلق، نجد أن كثيراً من الكتّاب والشعراء صرّحوا بأن الكتابة عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لم تكن يوماً أمراً يسيراً.

فالكلمات تتسابق لتنال شرف الاقتراب من سيرته، والعبارات تتخيّر أجمل صورها لتصف مواقفه العظيمة وسماته وسجاياه الكريمة. لم يكن ذلك وليد لحظة عابرة، بل تجربة عاشها كل من حاول أن يكتب عنه، أو يوثق جانباً من مسيرته.

فتختار الكلمات مواضعها، وتنتقي الدواوين أبياتها، وتتشرف الأقلام بسرد صفاته ومناقبه. سمعنا قصائد تحولت إلى ملاحم، ومعلقات أضحت دواوين، وكتباً تعددت فصولها، وكلها تحاول أن تقترب من صورة قائد حقق منجزات عظيمة لوطنه وأمته وللإنسانية جمعاء.

لحظة تأمل

ولعل أجمل ما نستخلصه من كل ذلك أن الكلمات ليست دائماً صاحبة القرار، فهناك لحظات يجد فيها الكاتب نفسه منقاداً بالمعنى قبل أن يقود المعنى. يفتش في دفاتر اللغة عن وصف يليق، ويجتهد في انتقاء العبارات، ثم يكتشف أن ما يحاول التعبير عنه أكبر من حدود الحروف. أما نحن، فلا نملك إلا أن نؤدي حق الشهادة بما نعرف، وأن نترك للتاريخ ما لم نستطع وصفه، وللأيام أن تروي ما عجزت الكلمات عن روايته.