التعافي والانتكاسة بين الأمل والخوف

بعد سنوات من التعافي، سئل أحد المتعافين من الإدمان عن أكثر ما كان يخشاه في رحلته نحو حياة جديدة، فأجاب: «لم تكن المخدرات هي أكثر ما أخشاه، بل فكرة أنني سأعود إليها يوماً ما». قد تبدو هذه الإجابة غريبة للوهلة الأولى، لكنها تفتح الباب أمام تساؤل يستحق التأمل، فهل تبدأ الانتكاسة بالفعل من الفكرة قبل أن تبدأ من المادة المخدرة؟

لا شك أن إدمان المخدرات والمؤثرات العقلية يخلّف خسائر فادحة تمتد آثارها إلى الصحة الجسدية والنفسية والعلاقات الأسرية والاجتماعية والمهنية، وقد تؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه وثقته بقدرته على بناء مستقبل أفضل. كما أن الخروج من دائرة الإدمان ليس طريقاً سهلاً، لكنه في الوقت ذاته ليس مستحيلاً، وقد أثبتت تجارب كثيرة أن التعافي ممكن متى ما اقترنت الرغبة الصادقة بالإرادة والعزيمة وتغيير نمط الحياة.

ويؤكد العديد من المختصين في علاج الإدمان أن الانتكاسة احتمال قائم خلال رحلة التعافي، وأن الإدمان من الاضطرابات المزمنة التي تتطلب متابعة مستمرة ويقظة دائمة. ويستند هذا الرأي إلى خبرات علاجية ودراسات رصدت حالات عادت إلى التعاطي بعد فترات متفاوتة من الامتناع. ولا شك أن هذا الطرح يهدف إلى رفع مستوى الوعي بالمخاطر وتعزيز الاستعداد لمواجهتها.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يستقبل المتعافي هذه الرسائل؟ وهل يمكن أن يتحول التركيز المستمر على احتمالية الانتكاسة إلى عامل نفسي يضعف الثقة بالقدرة على الاستمرار؟

تشير العديد من النظريات النفسية إلى أن القناعات الراسخة والتوقعات المتكررة تؤثر في السلوك الإنساني بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالإنسان لا يتصرف بناء على الواقع فقط، بل بناء على الصورة التي يرسمها لذلك الواقع في ذهنه. وعندما يقتنع الفرد بقدرته على النجاح تزداد احتمالات التزامه بالسلوكيات التي تقوده إليه، بينما قد يؤدي التركيز المستمر على احتمالات الفشل إلى إضعاف الدافعية وتقليل القدرة على الصمود أمام الضغوط والتحديات.

ولكن ماذا لو كان لبعض الأفكار والتوقعات المسبقة دور في تهيئة الطريق نحو الانتكاسة؟ وماذا لو أن الطريقة التي ينظر بها المتعافي إلى مستقبله تؤثر في قدرته على الصمود والاستمرار أكثر مما يظن؟

من هنا يبرز الفرق المهم بين الوعي بالمخاطر والاستسلام لها، فالاعتراف بإمكانية الانتكاسة لا يعني توقع حدوثها، كما أن التحذير من خطر ما لا يعني التسليم بالوقوع فيه، فهناك فرق كبير بين متعافٍ يدرك وجود مخاطر محتملة فيتخذ الاحتياطات اللازمة لتجنبها، وبين متعافٍ يعيش مقتنعاً بأن الانتكاسة مرحلة لا بد منها في رحلته العلاجية.

لا أحد ينكر أهمية التحذير من مخاطر العودة إلى التعاطي، فالمتعافي يحتاج إلى معرفة المحفزات والعوامل التي قد تهدد استقراره النفسي والسلوكي، ويحتاج إلى اكتساب المهارات اللازمة للتعامل معها، غير أن التحذير يختلف عن التوقع، واليقظة تختلف عن الخوف، والاستعداد للمواجهة يختلف عن الاقتناع المسبق بالهزيمة.

ويرى بعض المهتمين بالشأن العلاجي والنفسي أن الإفراط في التركيز على احتمالية الانتكاسة قد لا يكون مناسباً لجميع المتعافين بالدرجة نفسها، إذ قد ينعكس سلباً على بعضهم إذا تحولت الانتكاسة في أذهانهم من احتمال وارد إلى نتيجة متوقعة. وعندئذٍ قد تتراجع الثقة بالقدرة على الاستمرار في التعافي، ويصبح الفرد أكثر عرضة للاستسلام عند مواجهة الضغوط أو الأزمات. ومن هنا تبرز أهمية الموازنة بين التوعية بالمخاطر وتعزيز الثقة بالقدرة على تجاوزها.

ولعل التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الرأي الطبي وأهمية البناء النفسي الإيجابي، بل في تحقيق التوازن بينهما، فالمتعافي يحتاج إلى وعي بالمخاطر دون أن يعيش أسيراً لها، ويحتاج إلى الأمل دون أن يقع في الوهم، كما يحتاج إلى أن يؤمن بأن التعافي ليس استثناء نادراً، بل هو هدف واقعي يمكن تحقيقه والمحافظة عليه بالإرادة والالتزام والدعم المناسب.

وربما يكون أخطر ما يواجهه المتعافي ليس الرغبة في التعاطي ذاتها، بل الاقتناع بأنه سيعود إليها يوماً ما، فبين الخوف والأمل تُصنع القرارات، وبين ما يتوقعه الإنسان لنفسه وما يؤمن بقدرته على تحقيقه تتشكل ملامح مستقبله، فالتعافي الناجح لا يبدأ فقط بالامتناع عن المخدرات، بل يبدأ أيضاً عندما يتوقف الإنسان عن تعريف نفسه بمشروع انتكاسة محتملة، ويبدأ بالنظر إلى نفسه على أنه مشروع حياة جديدة.