ليس ما يرهق الإنسان كثرة ما يسعى إليه، بقدر غياب الرشد الذي يهديه في سعيه. فبين كفاءة تُتقن الفعل، وفاعلية تُحسن اختيار الاتجاه، تتشكل ملامح الإنسان المتوازن. فالكفاءة تضبط الوسائل، والفاعلية تصوّب الغايات، وما بينهما تتكون حكمة العيش في مختلف دوائر الحياة.
ورغم أن هذين المفهومين وُلدا في عالم الإدارة والأعمال، فإن معناهما يتجاوز حدود التقارير والمعايير. فالكفاءة والفاعلية لا تخص العمل وحده، وإنما تمتدان إلى الفكر والمشاعر والسلوك، بل إلى أعماق النفس الإنسانية. في عالم الأفكار، تتجلى هذه الثنائية بوضوح: فالفكرة هي الشرارة الأولى لكل بناء، ومنها ما يسمو بالإنسان ومنها ما يهبط به، لكنها لا تنضج ولا تُثمر ما لم تُنمَّ بكفاءة.
والكفاءة الفكرية تعني وضوح الصياغة، واتزان الطرح، وحسن الإمساك بخيوط المعنى، فكم من فكرة نبيلة حجبها الغموض، وكم من فكرة أخرى حملها حسن العرض إلى آفاق لم تكن لتبلغها وحدها.
غير أن الكفاءة وحدها لا تكفي، إذ لا يكتمل أمر الفكرة بحسن عرضها، بل بسلامة الغاية التي تتجه إليها، فالإتقان بلا وجهة يشبه سفينة متينة تمخر البحر بلا هداية، فما أكثر الأفكار التي راقت شعاراتها وحسنت زخرفتها، ثم كشفت الأيام أن عواقبها كانت إلى الهدم أقرب منها إلى البناء.
وإذا كانت الأفكار مرآة العقل، فإن المشاعر مرآة القلب، وكلاهما يحتاج إلى وعيٍ يضبطه ويوجهه، فالعاطفة الصادقة، إن وُجهت في غير موضعها، تحوّلت من دفءٍ إلى استنزاف.
والفاعلية في المشاعر أن تُمنح لمن يستحقها ولمن تملك معه أرضاً مشتركة تُبنى عليها حياة. أما العاطفة التي تُسكب في سراب، فلا تثمر إلا خيبة.
ولنا في مجنون ليلى شاهد خالد على ضياع البوصلة حين تغيب الفاعلية عن الشعور؛ أحبّ قيس ليلى منذ صباه، وحين زُوّجت من غيره، ظل يطارد طيفها في صحراءٍ من الوهم، يكتب فيها شعره ويبكيها حلماً لا يعود. لم يفتقر قيس إلى صدق الحب، بل إلى وعي الاتجاه.
وهكذا، لا يكفي صدق الفكرة ولا حرارة الشعور ما لم يصاحبهما تأمل ومراجعة، حتى لا يختلط الحماس بالتهور، ولا ينقلب الصدق إلى اندفاع أعمى، فبين جودة الوسيلة وسلامة المقصد تتحدد قيمة كثير من اختياراتنا.
فالحياة ليست إلا رحلة بين ضفتين: ضفة الفعل حيث تُختبر الكفاءة، وضفة الغاية حيث تُقاس الفاعلية، وما بينهما تتجلّى الحكمة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾.