للخليج مقعد على الطاولة الدولية

ليست كل الدعوات إلى القمم الدولية متساوية في الدلالة.. فبعضها بروتوكولي، يهدف إلى توسيع دائرة الحضور، والآخر يحمل رسالة سياسية، تتجاوز صورة القادة الجماعية إلى التأثير في ما يدور في الغرف المغلقة..

ومن هذا النوع الأخير، يمكن قراءة دعوة ثلاث دول عربية، الإمارات وقطر ومصر، إلى اجتماعات مجموعة السبع في فرنسا، بالتزامن مع حضور الرئيس الأمريكي، وقبيل التوقيع على ما يوصف بأنه مذكرة تفاهم أمريكية لتنظيم ترتيبات الأمن الإقليمي.. نحن الآن في مرحلة رمادية، فيحتاج الأمر إلى وقت وصلابة للوصول إلى شيء من السلام العادل في منطقتنا.

ما يلفت النظر أن الدعوة لم تأتِ في ظرف عادي، فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة للتوازنات الأمنية والسياسية، بعد سنوات من الصراعات، وفي مثل هذه المراحل، تبحث القوى الكبرى عن شركاء يمكن الاعتماد عليهم في إدارة الاستقرار، وليس فقط في مواجهة الأزمات.

الدلالة الأخرى تتعلق بطبيعة الدول المدعوة، فالإمارات وقطر ليستا مجرد دولتين خليجيتين تمتلكان موارد اقتصادية كبيرة، بل أصبحتا فاعلين سياسيين ودبلوماسيين مؤثرين في عدد من الملفات الدولية والإقليمية، أما مصر، فتمثل، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والعسكري، ركناً أساسياً في أي تصور مستقبلي للأمن في المنطقة.

كما أن اللقاءات الثنائية التي جرت بين الرئيس الأمريكي وقادة الإمارات وقطر، تستحق التوقف عندها، فالعلاقات الدولية لا تقاس فقط بالبيانات الرسمية، بل أيضاً بحجم التشاور المباشر حول الملفات الحساسة، ومن الواضح أن واشنطن تدرك أن أي هندسة جديدة للأمن الإقليمي، لن تنجح إذا صيغت بعيداً عن الدول التي تملك القدرة على التأثير السياسي والاقتصادي واللوجستي.

وهناك بُعد آخر يتعلق بالتحول الذي طرأ على النظرة الغربية لدول الخليج، ففي مراحل سابقة، كانت أهمية الخليج ترتبط أساساً بالنفط والطاقة، أما اليوم، فقد أضيفت عناصر جديدة إلى معادلة النفوذ، منها الاستثمارات الضخمة، والدور في الوساطات الدولية.

والقدرة على التواصل مع أطراف متعارضة في أزمات متعددة، ولذلك قام الرئيس الأمريكي قبل أسابيع، بالاتصال بكل قيادات الخليج، لوضعهم في الصورة، وأصبح الخليج شريكاً في صناعة الترتيبات المقبلة، كما أنه حجز دوراً للمشاركة في التفاهمات القادمة، كان قد حُرم منه قبيل اتفاقية 2015 بين الولايات المتحدة وإيران، رغم مطالبته بها.

ومن زاوية أوسع، يمكن فهم هذه الدعوات باعتبارها اعترافاً دولياً بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن فرضه من الخارج، أو من قوى واحدة.. فقد أثبتت تجارب العقود الماضية، أن أي مشروع أمني لا يحظى بمشاركة القوى المحلية الرئيسة، يظل هشاً وقابلاً للتعثر.

ومن هنا، تبدو مشاركة دول عربية وخليجية في النقاشات السابقة على أي تفاهمات أمنية، أمراً منطقياً وضرورياً، كذلك، فإن وجود دولتين خليجيتين بين الدول العربية الثلاث المدعوة، يعكس المكانة التي بات يحتلها مجلس التعاون ودوله في الحسابات الدولية..

فالعالم ينظر اليوم إلى الخليج بوصفه منطقة استقرار نسبي في بيئة مضطربة، ومركزاً مالياً واقتصادياً يمتلك القدرة على المساهمة في معالجة أزمات تتجاوز حدوده الجغرافية.

في النهاية، قد لا تكون أهمية هذه الاجتماعات في ما أُعلن عنها فقط، بل في ما تشير إليه من اتجاهات مستقبلية للمشاركة في الأمن الإقليمي، فحين تُدعى دول عربية وخليجية إلى طاولة تناقش الأمن الإقليمي والدولي من أوكرانيا إلى إيران، قبل إقرار ترتيباته النهائية.

فإن الرسالة الأهم هي أن المنطقة لم تعد موضوعاً للقرارات الدولية فحسب، بل أصبحت شريكاً في صياغتها، وهذه نقلة سياسية لا تقل أهمية عن أي اتفاق قد يوقع في المرحلة المقبلة، لأن من يُدعى إلى الطاولة اليوم، يشارك في رسم خرائط الغد، ويؤثر في شكل النظام الإقليمي الذي يتكون أمام أعيننا.