تعتبر مهنة الطب من أسمى وأرقى المهن الإنسانية كونها تهدف إلى تخفيف آلام البشر ومعاناتهم. أما دراسة الطب فتتطلب صبراً وجلداً وجدية على مدى ما لا يقل عن سبع سنوات متواصلة، تتلوها سنوات أخرى من التدريب في المستشفيات المعروفة.
وربما سنوات طويلة أخرى لمن يريد التخصص في فرع من الفروع الطبية المختلفة الكثيرة مثل التخصص في طب الأطفال، أو النساء والولادة، أو القلب، أو المخ والأعصاب، أو الأمراض الجلدية، أو أمراض الجهاز الهضمي، أو الأمراض التناسلية، أو أمراض الجهاز التنفسي، أو أمراض الأنف والأذن والحنجرة، أو أمراض العيون، أو طب الفم والأسنان، أو طب التشريح، وغيرها.
وبسبب صعوبة دراسة الطب وسنواتها الطويلة، نجد أن الذين يلتحقون بكليات الطب هم في العادة من المتفوقين والأوائل في المرحلة الثانوية، ومن ذوي النفس الطويل والشغف بالمواد العلمية.
وفي اعتقادي أن التخصص في طب الأطفال، يُعتبر من التخصصات الصعبة، كونه يستلزم التعامل مع الرضع والصغار الذين يفتقدون ميزة الكشف والتعبير عن آلامهم ومواطن أوجاعهم، وهذا يتطلب بدوره أن يكون الطبيب المعالج صاحب مواهب وملكات خاصة في كيفية التعامل معهم وشحذ ثقتهم وتبديد مخاوفهم، ناهيك عن كيفية كسب ثقة أمهاتهم وتوجيههن إلى الأساليب الصحيحة والمسارات المتدرجة لعلاجهم.
ومن ناحية أخرى، فإن تخصص طب الأطفال يتطلب دراسة التطورات النفسية والعقلية والبدنية لنمو الطفل، وقد يشمل معالجة الأمراض المختلفة والإعاقات الخاصة بالأطفال.
وتقديم كافة سبل الرعاية الطبية والصحية سواء كانوا حديثي الولادة أو في مرحلة الطفولة ووصولاً إلى سن المراهقة. هذا علماً بأنه قد يتحتم على طبيب الأطفال أن يتخصص في مجال أو أكثر من المجالات ذات الصلة بعلاج الأطفال مثل:
علم الحساسية والمناعة للأطفال، طب الأطفال التنموي والسلوكي، علم الأورام للأطفال، طب الغدد الصماء للأطفال، طب الطوارئ للأطفال، علم حديثي الولادة، طب إساءة معاملة الأطفال، طب المراهقين، وغيرها.
ومن حسن حظ البحرين أن التعليم بدأ فيها مبكراً وقبل بقية دول الجوار بسنوات طويلة (أول مدرسة نظامية للبنين افتتحت في المحرق سنة 1919 تحت اسم «مدرسة الهداية الخليفية»، وأول مدرسة نظامية للبنات تأسست في المحرق أيضاً سنة 1928 تحت اسم «مدرسة خديجة الكبرى»، وكلتاهما في عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة طيب الله ثراه، الذي امتد من عام 1869 إلى عام 1932، وهو ما سمح بتخرج دفعات مبكرة من الطلبة الحاصلين على الثانوية العامة ممن واصلوا دراستهم الجامعية في الخارج في مختلف التخصصات العلمية والأدبية.
ومن حسن حظ البحرين أيضاً اهتمام حكامها منذ ذلك الوقت المبكر بالعلم الحديث والتخصصات الرفيعة، والذي تجلى في إرسال البعثات الدراسية إلى الخارج للتخصص في أرقى قلاع العلم وأشهرها. ودليلنا هو أن أول بعثة تعليمية بحرينية كانت في عام 1928 وكانت وجهتها الجامعة الأمريكية في بيروت.
ومن المفيد هنا الإشارة أيضاً إلى أن البحرين أولت اهتماماً مشابهاً أو مضاعفاً بصحة المواطن منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حينما كان الكثير من الدول الأخرى تخلو من المستشفيات والمراكز الصحية، ولا تعرف الرعاية الطبية، وتعالج الأوبئة والأمراض الخطيرة بالطب الشعبي والرقية الشرعية.
حيث شهدت البحرين في عام 1889 تأسيس أول محجر صحي للحد من انتشار الأوبئة المعدية، وافتتاح أول عيادة في المنامة سنة 1892، وتلا ذلك في عام 1903 افتتاح أول مستشفى حديث في البحرين ومنطقة الخليج بأسرها تحت اسم «مستشفى مايسون التذكاري»، ثم افتتاح «مستشفى فيكتوريا التذكاري» في عام 1906.
وصولاً إلى تدشين العمل بمستشفى السلمانية سنة 1957. ومما لا شك فيه أن كل هذا مهد طريق العمل والمساهمة في نهضة البلاد صحياً أمام أبناء البحرين العائدين من سنوات دراستهم الطب في الخارج.
يجرنا الحديث السابق إلى تسليط الضوء على مسيرة الطبيب البحريني المرحوم إبراهيم يعقوب السعد، الذي يعد أول طبيب بحريني متخصص في طب الأطفال، ومؤسس قسم طب الأطفال بمستشفى السلمانية، والرجل اللطيف المتواضع ذو الأخلاق الرفيعة والنشاط الدائب، الذي خدم أهله وناسه على مدى نحو أربعة عقود دون كلل أو ملل، متنقلا من عيادة إلى أخرى، ومن منصب إلى آخر.
ولد «إبراهيم يعقوب محمد السعد»، بفريج الخاطر من مدينة المحرق في عام 1935، واشتهر عند رجال ونساء وأطفال مسقط رأسه باسم «دختر إبراهيم». ومنذ سنوات عمره المبكرة أبدى شغفاً قوياً بالتعليم والتفوق فيه.
فالتحق بمدرسة الهداية الخليفية ودرس كل المراحل المتاحة بها آنذاك على أيدي معلمين بحرينيين وعرب. وبسبب تفوقه واجتهاده، حصل على بعثة دراسية إلى مصر في عام 1948، كي ينال منها شهادة التوجيهية التي تسمح له بعد ذلك بإكمال دراسته الجامعية هناك.
يخبرنا الزميل يوسف صلاح الدين ضمن ما كتبه في صحيفة «الوطن» البحرينية (14/11/2018) عن دخول البحرين عصر الطيران، أن السعد سافر من البحرين إلى مصر مع زملائه المبتعثين على متن طائرة ذات أربعة محركات، انطلقت بهم نهاراً من مطار البحرين البحري (تمّ تشغيله في عام 1937) الواقع آنذاك في الموقع الحالي لفندق عمر الخيام بوسط المنامة باتجاه البصرة.
فسكنوا هناك في «فندق شط العرب»، حيث شدّ انتباه السعد وجود حنفيتين للماء البارد والماء الساخن، لأنه لم يشاهد مثلهما من قبل، ثم طاروا في اليوم التالي من البصرة إلى الحبانية، ومن الأخيرة انطلقوا إلى مطار صغير قرب البحر الميت، إلى أن هبطت الطائرة على مياه النيل بالقرب من منطقة روض الفرج في القاهرة.
ويبدو أن السعد لسبب ما، بعد أن درس في القاهرة لفترة قصيرة، فضّل أن يكمل دراسته في بيروت بدلاً من القاهرة، فسافر إلى لبنان حيث نال شهادة البكالوريا الدولية من الكلية الدولية (IC) في بيروت بتفوق، وهو ما سمح له بعد ذلك بالالتحاق بكلية الطب في الجامعة الأمريكية، التي تخرج فيها طبيباً في عام 1959.
ضمن نفس الدفعة التي شملت زميله الدكتور راشد علي فليفل، الذي تخصص لاحقاً في الولايات المتحدة في مجال الأمراض الصدرية، علما بأن الدكتور علي محمد فخرو، وزير الصحة البحريني سابقاً، سبقهما بسنة واحدة في التخرج من نفس الكلية والجامعة، قبل أن يواصل دراسته في الولايات المتحدة ويتخصص في أمراض القلب.
ومما لا شك فيه أن السعد استفاد كثيراً من إقامته ودراسته لمدة 11 عاماً في بيروت التي كانت في تلك الفترة من أجمل وأرقى المدن، ونافذة حضارية وثقافية مكتظة بالمدهشات والصرعات والأفكار. غير أن ما يحسب له أنه ركز جل اهتمامه على هدف التحصيل الذي جاء من أجله، فلم ينخرط في السياسة ولم تجذبه التيارات السياسية المتصارعة، ونأى بنفسه عنها وعن شعاراتها البراقة، فلم يتلوث بها كما تلوث الكثيرون من طلبة وخريجي الجامعة الأمريكية في بيروت.
عاد السعد إلى البحرين عام 1959 متحمساً للعمل، بعد أن حصل على بكالوريوس الطب، لكنه ابتعث مجدداً إلى الخارج للتخصص، فسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
حيث التحق بجامعتي نيويورك وكاليفورنيا الأمريكيتين التي أمضى بهما ثلاث سنوات انتهت بحصوله على شهادة التخصص في طب الأطفال. ومن الولايات المتحدة توجه إلى المملكة المتحدة من أجل التدريب في الجامعات والمستشفيات البريطانية، فأمضى فترة تدريبية بجامعتي لندن وشيفلد انتهت في عام 1961.
على إثر ذلك عاد الرجل إلى البحرين في نهاية عام 1961 متحمساً لخدمة أهله وناسه، فانضم إلى دائرة الصحة التي كانت وقتذاك تحت إدارة الطبيب البريطاني «ريتشارد سنو»، وتمّ تكليفه بالعمل طبيباً للأطفال بمدينة المحرق، التي رحبت بابنها البار المتفوق، وتعاون أهلها معه وأحبوه، فبادلهم الحب بالحب.
وقتها لم تكن هناك مستشفيات أو مراكز صحية في المحرق خاصة بالأطفال والولادة، لذا تم تخصيص بيت حرم الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، طيب الله ثراه، كمكان مؤقت للتوليد وعلاج المرضى من الأطفال، فمارس السعد مهنته من خلال هذا البيت، حتى أصبح المنزل معروفاً بين الأهالي باسم «بيت دختر إبراهيم».
لاحقاً انتقل طبيبنا للعمل بمركز المحرق الصحي بشمال المحرق (مكان مركز الرعاية الاجتماعية حالياً)، وكان هذا قبل قرار نقله للعمل بمستشفى السلمانية بالمنامة، وهو قرار قوبل بعدم الرضا والاحتجاج من قبل أهالي المحرق الذين طالبوا ببقاء السعد بينهم، لكن دون جدوى. وحدث الشيء ذاته حينما تم نقله للعمل في البديّع، حيث أحبه سكانها، وكتبوا العرائض إلى وزارة الصحة، رافضين استبداله بطبيب آخر.
في مستشفى السلمانية، أسس السعد قسم طب أمراض الأطفال وترأسه، وبالتزامن عمل مستشاراً لأمراض الأطفال بوزارة الصحة، وفي هذا السياق نشرت صحيفة «الوطن» البحرينية (20/10/2018) مقالاً لأحد كتابها وصف فيه أسلوب الدكتور السعد في العمل.
فقال ما مفاده أن السعد كسر قاعدة جلوس الأطباء في غرفهم لمعاينة المريض إبان عمله بمستشفى السلمانية، بإخراج طاولته وكرسيه إلى الصالة المقابلة لغرفته، ومخاطبة أولياء أمور الأطفال المرضى مباشرة، وتعهده بألا يبارح المستشفى دون الكشف على كل طفل وصرف الدواء اللازم له، مع حرصه دائماً على أن يبدأ بالكشف على الأطفال الآتين بصحبة أمهاتهم، كي لا يتأخرن عن العودة لمتابعة شؤون بيوتهن.
توالت الترقيات على طبيبنا، فأصبح مديراً عاماً للشؤون الفنية بوزارة الصحة، فوكيلاً مساعداً للشؤون الفنية بوزارة الصحة، فوكيلاً مساعداً للصحة الأولية والصحة العامة بالوزارة زمن وزيرها الأسبق «جواد سالم العريض»، وبحكم منصبه حضر العديد من المؤتمرات الطبية داخل منطقة الخليج وخارجها.
وإبان ممارسة صاحبنا الطب في السلمانية جاءته عروض كثيرة من دول الجوار للاستفادة من علمه وخبرته، فذهب بها إلى الشيخ عيسى بن سلمان، طيب الله ثراه، للاستئناس برأيه، لكنه سأله عن موقفه من تلك العروض.
فما كان من السعد إلا أن أجاب قائلاً إنه طوع الأمر، وإن خدمة وطنه وشعبه لها الأولوية، وإنه يأمل بتوفير كافة الأدوية الحديثة المتعلقة بعلاج الأطفال من مصادرها في الدول الغربية، فاستجاب الشيخ عيسى بن سلمان، رحمه الله، فوراً لطلبه وبأسرع وقت ممكن.
وخلافاً لغيره من الأطباء، لم تسرقه مناصبه الإدارية الرفيعة من شرف خدمة مواطنيه البحرينيين، فكان دوماً عند حسن ظنهم به، حيث قدم مساهمات طبية واستشارية واجتماعية كثيرة، وانخرط في أنشطة تطوعية عديدة، وذلك من خلال:
مركز البحرين للحراك الدولي ودار الحكمة وجمعية الصداقة للمكفوفين وجمعية السرطان وجمعية تنظيم الأسرة وجمعية البحرين لمرضى السكر وجمعية مكافحة التدخين وجمعية الهلال الأحمر البحرينية وجمعية الأطباء البحرينية، ونادي الخريجين البحرينيين، وغيرها، طبقاً لما نشرته صحيفة «البلاد» البحرينية (2/8/2022).
في شهادة عن خصاله ومناقبه، أخبرني الصديق إسماعيل البنمحمد، الذي عرفه عن كثب بحكم عمله بوزارة الصحة البحرينية مديراً للعلاقات الدولية، ورحلاتهما معاً لتمثيل البحرين في المؤتمرات الخليجية والعربية والدولية ذات الصلة بالصحة، بأن السعد كان رجلاً كريماً وقنوعاً ومتواضعاً، لا يستجدي المناصب، ولا يحب الأضواء، ويترفع عن القيل والقال والجدل العقيم في القضايا السياسية والأيديولوجية.
إلى ذلك قال البنمحمد ما مفاده أن صاحبنا كان مثقفاً وقارئاً نهماً باللغتين العربية والإنجليزية (خصوصاً في مجالي التاريخ والأدب)، وخطيباً متفوهاً بالعربية، بل كثيراً ما كان يصحح للآخرين أخطاءهم النحوية واللفظية.
وبسبب خصاله هذه، وأقدميته في تخصصه الطبي، كان محبوباً ومحاطاً دوماً بالتقدير والاحترام من قبل نظرائه العرب والأجانب. أما النصيحة التي اعتاد أن يخاطب بها أصدقاءه في أوقات همومهم فكانت: «الحياة قصيرة فلا تجعلها أقصر».
في يوم الثلاثاء الموافق 26 أغسطس 2008 ودّع الدكتور إبراهيم يعقوب السعد الدنيا عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه ثلاثة أولاد (ياسر وقصي وأحمد) وابنة واحدة هي (بدور)، فتم دفنه، رحمه الله، بعد الصلاة عليه بمقبرة المحرق، ليسدل الستار بذلك على حياة طبيب أحبه الناس لبساطته وخدماته الإنسانية الجليلة، وخصاله ومناقبه الكريمة.
