معركة المعلومات: هل تستطيع الصحف الصمود أمام الذكاء الاصطناعي

تعيش المؤسسات الصحفية اليوم واحدة من أكثر لحظات التحول حساسية وخطرا منذ دخولها العصر الرقمي، إذ لم يعد التهديد مقتصراً على تراجع الإعلانات أو منافسة المنصات الاجتماعية، بل امتد إلى جوهر ما تملكه: الأرشيف والمعلومات. فمع صعود نماذج الذكاء الاصطناعي، أصبح المحتوى الصحفي القديم مادة خاماً تُستخرج منها المعرفة وتُعاد صياغتها وتقديمها للجمهور دون المرور بالمؤسسة التي أنتجته، ودون احترام لحقوق الملكية أو لسنوات العمل التي بُني عليها هذا الإرث التحريري. ما كان يُنظر إليه سابقاً كذاكرة مهنية وتاريخية أصبح اليوم هدفاً مباشراً لعمليات السحب الآلي، حيث تقوم الشركات المطوّرة للذكاء الاصطناعي بجمع ملايين الصفحات من أرشيف الصحف، بما فيها المواد المحمية خلف جدران الدفع، وتستخدمها في تدريب نماذجها دون إذن أو مقابل. هذا الاستخدام غير المنظم خلق صداماً قانونياً وأخلاقياً واسعاً، دفع صحفاً كبرى إلى اتخاذ إجراءات دفاعية غير مسبوقة، من بينها حظر أرشفة مواقعها أو منع الروبوتات من الوصول إلى محتواها.

ومع توسع قدرات الذكاء الاصطناعي على تلخيص الأخبار وإعادة إنتاجها، تزداد خسائر المؤسسات الإعلامية التي تجد نفسها فجأة خارج المعادلة الاقتصادية. فالقارئ الذي يحصل على ملخص جاهز أو إجابة مباشرة من نموذج ذكي لن يزور الموقع الأصلي، ولن يشترك في الخدمة، ولن يشاهد الإعلانات. وهكذا يتراجع العائد المالي للأرشيف، رغم أنه كان لعقود أحد أهم مصادر القيمة المضافة للصحف، سواء للباحثين أو للقراء أو للمؤسسات التي تعتمد عليه في التوثيق والتحقق. الأخطر من ذلك أن بعض النماذج باتت قادرة على محاكاة الأسلوب التحريري نفسه، ما يخلق منطقة رمادية بين الاقتباس المشروع والانتحال الرقمي، ويهدد الهوية المهنية للمؤسسة.

وعلى مستوى العالم، بدأت كبريات المؤسسات الإعلامية خوض معارك مفتوحة لحماية أرشيفها من أن يتحول إلى وقود مجاني لنماذج الذكاء الاصطناعي.

فقد رفعت نيويورك تايمز دعوى قضائية تاريخية ضد OpenAI ومايكروسوفت، متهمة إياهما باستخدام ملايين المقالات في تدريب النماذج دون إذن، بينما قامت مؤسسات مثل الغارديان وسي إن إن ورويترز وواشنطن بوست بحظر وصول روبوتات الذكاء الاصطناعي إلى محتواها. وفي أوروبا، لجأت مجموعات إعلامية مثل أكسل سبرينغر ولوموند إلى توقيع اتفاقيات ترخيص تضمن تعويضاً مالياً مقابل استخدام أرشيفها، في حين حذرت مؤسسات أخرى مثل نيوز كورب من أن شركات التكنولوجيا “تركب مجاناً” على عقود من الاستثمار الصحفي. هذه المواجهات تعكس تحوّلاً عالمياً واضحاً: الناشرون لم يعودوا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية، بل كقوة قادرة على إعادة تشكيل اقتصاد المعلومات وملكية المعرفة.

هذا الواقع دفع العديد من الصحف إلى إعادة النظر في علاقتها بالأرشيف، ليس فقط كذاكرة، بل كأصل اقتصادي يجب حمايته. فحظر الأرشيفات العامة، أو تقييد الوصول إليها، أصبح وسيلة دفاعية اضطرارية، رغم ما يسببه من فجوات في التاريخ الرقمي ويحد من قدرة الباحثين على التحقق من المعلومات.

ومع ذلك، ترى المؤسسات أن الخطر الأكبر هو أن يتحول الأرشيف إلى منجم مجاني تستغله شركات التكنولوجيا العملاقة دون أي التزام قانوني أو مالي، بينما تتحمل الصحف وحدها كلفة الإنتاج والتحرير والتدقيق.

المعركة اليوم لم تعد حول من يملك المحتوى، بل حول من يملك الحق في استخدامه. فالذكاء الاصطناعي لا يسرق النصوص فحسب، بل يسرق القيمة التي بُنيت عليها الصحافة: الثقة، الجهد، والذاكرة. وفي غياب تنظيم واضح يحدد حدود الاستخدام العادل، ستستمر المؤسسات الإعلامية في اتخاذ إجراءات دفاعية قد تبدو قاسية، لكنها ضرورية لحماية ما تبقى من نموذج اقتصادي يواجه ضغطاً غير مسبوق.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للصحافة أن تحافظ على أرشيفها دون أن تعزل نفسها عن العالم الرقمي؟ أم أن عليها أن تعيد صياغة علاقتها مع الذكاء الاصطناعي عبر اتفاقات وترخيصات تضمن لها البقاء في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة بسرعة غير معهودة.

وللأسف فإن الصحف العربية بما تملكه ارشيف ومعلومات ثمينة تبدو في موقف ضعف تام واستسلام إذا ليس هناك من اصوات او بوادر للدفاع عن حقوقها امام توغل الذكاء الاصطناعي.