الإمارات والصين.. حين تصبح الثقافة جسراً للحضارات

حين كتبت قبل عام عن زيارتي الأولى إلى الصين قلت: «إن الأجمل في تلك الزيارة أنني دخلت الصين من بوابة الثقافة والمعرفة، لم تكن تلك العبارة وصفاً عابراً لتجربتي شخصية، بل كانت مدخلاً لفهم أعمق لطبيعة العلاقة بين العرب والصينيين، وللدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في بناء جسور التواصل بين الأمم والشعوب».

في تلك الزيارة لم أرَ الصين كونها قوة اقتصادية وتكنولوجية صاعدة فحسب، بل رأيتها حضارة عريقة، وذاكرة ممتدة، وأمة تعمل لحاضرها ومستقبلها بثقة وهدوء، وما لفت انتباهي أكثر هو التفاعل الصيني مع الثقافة العربية والإماراتية، ومعرفة بعض المثقفين والباحثين الصينيين بجوانب من عاداتنا وقيمنا، خصوصاً تلك التي تتعلق بالأسرة، واحترام الكبير، والارتباط بالهوية، وهي عناصر تلتقي في جوانب متعددة مع الثقافة والعادات الصينية.

اليوم مع حضور دولة الإمارات كونها ضيف شرف في معرض بكين الدولي للكتاب تبدو تلك التجربة الشخصية كأنها جزء من سياق أوسع، يؤكد أن العلاقات الإماراتية - الصينية لم تعد تقرأ من زاوية الاقتصاد والاستثمار وحدهما، بل من زاوية الوعي الحضاري، والتبادل المعرفي، والتواصل الحضاري، والدبلوماسية الثقافية.

لا يمكن اعتبار اختيار دولة الإمارات مجاملة أو تكريماً بروتوكولياً، بل دلالة على أنها أصبحت حاضرة بقوة في الوعي الثقافي الصيني بوصفها دولة صاحبة مشروع إنساني ومعرفي، لا مجرد نموذج تنموي ناجح.

وبنظرة أعمق معارض الكتب ليست سوقاً للكتب بل ملتقى للعقول، تتحاور فيه اللغات، وتتعرف الشعوب على بعضها بعضاً بعيداً عن الصور النمطية، فالحقيقة الكتاب يحمل ما هو أعمق من المعلومة، فهو يحمل روح المجتمع، وتجربته، وخياله، وأسئلته، وقلقه، وطريقته في فهم العالم.

وهنا تكمن قيمة الدبلوماسية الثقافية، فهي ليست ترفاً فكرياً ولا نشاطاً احتفالياً بل ضرورة استراتيجية وفكرية في عالم تزداد فيه الحاجة إلى الفهم المتبادل والتواصل والحوار الحضاري، فالعلاقات بين الدول قد تبدأ بالمصالح، لكنها تترسخ حين تتحول إلى معرفة متبادلة واحترام متبادل وقدرة على رؤية الآخر خارج القوالب الجاهزة، وفي اعتقادي أن الثقافة تمتلك قدرة هائلة وهادئة لتفكك الصور النمطية، وتبني الثقة، وتفتح مساحات ومسارات جديدة للحوار.

ولعل رمزية الصين في تاريخ الكتاب والمعرفة تضيف إلى هذا الحدث بعداً خاصاً بها، الصين هي من قدمت الورق للعالم، الورق جعل المعرفة قابلة للانتقال، والكتاب جعل التجربة البشرية قابلة للبقاء، والترجمة جعلت الحضارات قادرة على التحدث والتحاور مع بعضها بعضاً.

وفي هذه الأيام، تأتي الإمارات إلى بكين تحمل تجربة حديثة في عمرها، عميقة في رؤيتها، تجربة جعلت من التعايش والانفتاح واحترام التنوع جزءاً من هويتها، وكأنها تقول من خلال هذا الحضور الثقافي، إن المستقبل لا يبنى بالبنية التحتية وحدها، بل بالإنسان والمعرفة والوعي والقدرة على التواصل مع الآخر،

كما أن دلالة اختيارها ضيف شرف تتجاوز الاحتفاء الثقافي إلى الاعتراف بمكانتها جسراً حضارياً بين العرب والصين، فنحن في الواقع أمام حوار بين حضارتين شرقيتين، الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الصينية، وبينهما تاريخ طويل من التواصل ومجالات واسعة للتفاهم وقيم مشتركة تتصل بالأسرة والمجتمع والعمل والاستقرار.

من هنا كذلك، تبرز أهمية مشاركة المؤسسات الثقافية والأكاديمية الإماراتية في مثل هذه المحافل، ومنها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، لأنها تربط الثقافة بالمعرفة، والحوار بالبحث، والحضور الرمزي بصناعة الوعي، فالدبلوماسية الثقافية لا تقوم على البرامج والفعاليات فقط، بل على مؤسسات قادرة على تحويل الحضور إلى أثر، واللقاء إلى معرفة، والمعرفة إلى علاقة أعمق بين الشعوب.

لقد ترسخت لدي قناعة بأن المكانة العظيمة لا تصنعها القوة الصلبة وحدها، بل تصنعها أيضاً الثقافة والكتب، والحوار والتواصل، والتبادل الفكري والمعرفي، لذا في بكين، لا تحضر الإمارات لتعرض كتباً فقط، بل لتحمل رسالة أعمق، محتواها أن الثقافة قادرة على أن تكون جسراً للحضارات، وأن العلاقات بين الدول لا تبلغ معناها الحقيقي إلا حين تصل إلى الإنسان وتلامس وجدانه وفكره ووعيه.

من هذه المنطلقات أرى أن العلاقات الإماراتية - الصينية تتجه نحو أفق حضاري أرحب، لتؤكد للعالم أن الأمم الكبيرة لا تلتقي فقط في الاقتصاد، بل تلتقي في الثقافة والمعرفة، وفي القيم والمشترك الإنساني، وحين تصبح الثقافة هي الجسر الذي يربط الدول إذن هي تتجه نحو عالم أكثر فهماً وتوازناً وإنسانية.