مرونة التخطيط والأزمات

تخيّل أن مصنعاً للسيارات يتحول فجأة إلى إنتاج مركبات عسكرية، وأن شركة متخصصة في الأجهزة المنزلية تبدأ في تصنيع مكونات للصواريخ، وأن خطوط إنتاج مدنية اعتادت تلبية احتياجات المستهلكين تصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني. قد يبدو ذلك مشهداً غريباً، لكنه تكرر مراراً عبر التاريخ كلما فرضت الأزمات أولويات جديدة على الدول والشركات.

هذا باختصار ما قد تشهده الولايات المتحدة بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفعيل «قانون الإنتاج الدفاعي» لتسريع إنتاج الأسلحة والذخائر ومعالجة اختناقات سلاسل الإمداد العسكرية. فالقانون يمنح الحكومة صلاحيات واسعة لتوجيه الإنتاج الصناعي وإعطاء العقود الحكومية أولوية على غيرها عند الحاجة.

كنت دائماً أسمع عن مهنية الحرس الوطني وأن لديهم قدرات فنية فذة خارج السلك العسكري، وأن كوادرهم مؤهلة لتشغيل المصانع ومحطات توليد الكهرباء والماء والمخابز الكبرى وغيرها في مراحل متقدمة من الأزمات، وها نحن نشاهد صورة تسبق ذلك المشهد.

قد يربك ما يحدث في الولايات المتحدة بعض المصانع والعاملين فيها، لكنه يبرز حقيقة مهمة كثيراً ما تغيب عن المؤسسات والأفراد، وهي قيمة المرونة في التخطيط. فالخطط الجامدة قد تنجح في الظروف المستقرة، لكنها تصبح عبئاً عندما تتغير المعطيات فجأة. أما الخطط المرنة فتفترض منذ البداية أن المفاجآت جزء من الواقع وليست استثناءً.

وقد أثبت التاريخ أن المؤسسات الأكثر قدرة على التكيف هي التي تنجو وتزدهر. ففي الحرب العالمية الثانية تحولت مصانع مدنية كثيرة في الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إنتاج المعدات العسكرية خلال فترة وجيزة، وأسهم ذلك في دعم المجهود الحربي وتحقيق عوائد اقتصادية ضخمة لبعض الشركات.

وخلال جائحة كورونا أعادت مصانع حول العالم توجيه خطوط إنتاجها لصناعة الكمامات وأجهزة التنفس والمعقمات بعد أن كانت تنتج سلعاً مختلفة تماماً.

ومن الأخطاء الشائعة في التخطيط الاعتقاد بأن جودة الخطة تقاس بمدى التزامنا الحرفي بها. ففي الواقع، قد يكون تعديل الخطة في الوقت المناسب مؤشراً على نجاحها لا فشلها.

ولذلك تلجأ المؤسسات المتقدمة إلى ما يعرف بالتخطيط بالسيناريوهات، حيث لا تكتفي برسم مسار واحد للمستقبل، بل تضع بدائل متعددة للتعامل مع الاحتمالات المختلفة. فبدلاً من السؤال: «ما الذي سنفعله إذا سارت الأمور كما نتوقع؟» يصبح السؤال: «ماذا سنفعل إذا تغيرت الظروف جذرياً؟».

وقد كشفت أزمات عالمية عدة أن أكثر الخسائر لم تنتج من سوء النوايا أو ضعف الموارد، بل من الاعتماد على افتراضات ثبت لاحقاً أنها غير صحيحة.

فشركة تعتمد على مورد وحيد، أو مؤسسة تربط نجاحها بسوق واحدة، أو قائد يبني قراراته على معطيات مستقرة، جميعهم يصبحون أكثر عرضة للصدمات عند حدوث تغيرات مفاجئة.

ولهذا أرى أنه لم تعد المرونة ترفاً إدارياً، بل أصبحت جزءاً من إدارة المخاطر نفسها.

فكلما ازدادت قدرة المؤسسة على إعادة توزيع مواردها وتعديل أولوياتها والتحرك بسرعة، ازدادت فرصها في تحويل الأزمات من تهديدات إلى فرص يصعب على المنافسين اقتناصها.

ولا يقتصر الأمر على الدول والشركات الكبرى. فالمرونة مطلوبة أيضاً في حياة الأفراد.

فالموظف الذي يمتلك مهارات متنوعة أقدر على التعامل مع تغيرات سوق العمل، ورائد الأعمال الذي يراجع افتراضاته باستمرار أكثر قدرة على تجاوز الأزمات من منافس يتمسك بخطة وضعت لظروف لم تعد قائمة. وأزمة الحرب مع إيران أبلغ دليل على ذلك.

ولذلك لا تكمن أهمية التخطيط في دقة التنبؤ بالمستقبل، فذلك مستحيل في كثير من الأحيان، بل في بناء القدرة على تعديل المسار بسرعة عندما يفرض الواقع اتجاهاً جديداً. فالنجاح في أوقات الأزمات لا يكون دائماً للأقوى أو للأكبر، بل غالباً للأكثر مرونة واستعداداً للتكيف.