من الوفرة إلى الامتنان

في خضم الحياة المتسارعة التي نعيشها اليوم، أصبحت النعم تحيط بنا من كل جانب، حتى كادت أن تختفي من دائرة انتباهنا، نستيقظ في منازل آمنة، وننتقل عبر طرق حديثة، ونحصل على الخدمات بضغطة زر، ونتواصل مع العالم بأسره من خلال أجهزة صغيرة نحملها في جيوبنا، ومع ذلك، ورغم هذا الكم الهائل من النعم، نسمع كثيراً من الشكوى والتذمر، ونرى التركيز منصباً على ما ينقصنا أكثر مما نملكه.

إن من طبيعة الإنسان أنه يعتاد النعمة، فإذا تكررت أمامه فقدَ جزءاً من إحساسه بقيمتها، ولهذا كان الامتنان من أعظم القيم الإنسانية والإيمانية التي تحفظ للإنسان توازنه النفسي، وتمنحه القدرة على رؤية الحياة بصورة أكثر إشراقاً.

لقد لفت القرآن الكريم انتباه الإنسان إلى كثرة النعم التي تحيط به فقال سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ صدق الله العظيم.

فالنعم ليست فقط في المال والممتلكات، بل في الصحة، والأمن، والأسرة، والعلم، والوقت، والاستقرار، والقدرة على السعي والعمل وتحقيق الطموحات، وهي نعم كثيرة، قد لا ندرك قيمتها إلا عند فقدانها.

ولذلك ربط الله سبحانه بين الشكر وزيادة النعم حين قال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

فالشكر ليس مجرد كلمات ترددها الألسنة، بل هو حالة من الوعي، تجعل الإنسان يرى النعمة ويقدرها ويُحسن استخدامها، وكلما ازداد الإنسان شكراً وامتناناً، ازداد شعوره بالرضا والسكينة، وأصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة.

فكثير من أسباب التعاسة لا تأتي من قلة ما نملك، بل من كثرة المقارنات التي نقوم بها مع الآخرين، فكلما انشغل الإنسان بما عند غيره، تضاءلت في عينيه النعم التي يعيشها، أما حين ينظر إلى من حُرم بعض ما أنعم الله به عليه، فإنه يدرك حجم ما لديه من خير.

ومن أعمق صور الامتنان، أن يشعر الإنسان بقيمة الأمن والاستقرار، فالأوطان الآمنة ليست أمراً بديهياً، كما قد يتصور البعض، بل هي نعمة عظيمة، دفعت شعوب كثيرة حول العالم أثماناً باهظة من أجل استعادتها أو الحفاظ عليها، وعندما يعيش الإنسان في وطن يوفر له الأمن والفرص والخدمات وجودة الحياة، فإن ذلك يستحق أن يقابل بالشكر والوفاء والعمل المخلص.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة تتجسد معاني الوفرة في مختلف جوانب الحياة، من بنية تحتية متطورة، وخدمات عالمية المستوى، وفرص تعليم وعمل، وتسامح وتعايش بين مختلف الثقافات، ورؤية قيادية جعلت من المستحيل ممكناً، وكل هذه المنجزات تدعونا إلى أن نتوقف بين الحين والآخر، لنتأمل حجم النعم التي نعيشها، وأن نحوّل شعور الامتنان إلى سلوك عملي، ينعكس في احترام الأنظمة، وإتقان العمل، والمحافظة على المكتسبات الوطنية، وخدمة المجتمع.

ومن المهم أن يدرك الإنسان قيمة النعم في وقتها، فيحمد الله على الصحة ما دام معافى، ويغتنم الوقت ما دام متاحاً، ويقدّر نعمة الأمن ما دامت حاضرة في حياته، فالحكمة الحقيقية أن نستشعر النعم، ونُحسن شكرها وهي بين أيدينا.

إن الامتنان ليس ضعفاً ولا اكتفاءً بما تحقق، بل هو أساس الانطلاق نحو مزيد من الإنجاز، فالإنسان الممتن يرى ما لديه فيشكر عليه، ويرى ما يطمح إليه فيسعى لتحقيقه، فهو يجمع بين الرضا والطموح، وبين التقدير والعمل.

ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في نهاية كل يوم، أن يتوقف للحظات ويتأمل: كم نعمة مرت عليه اليوم دون أن ينتبه لها؟ كم شخص يتمنى ما يملكه هو الآن؟ كم باب من الخير فُتح له بفضل الله، ثم بفضل وطن آمن ومجتمع داعم وأسرة محبة؟.

عندها فقط يدرك أن السعادة الحقيقية لا تأتي من امتلاك المزيد دائماً، بل من القدرة على رؤية قيمة ما نملك بالفعل.

وفي بصمة وعي أقول:

قد لا نستطيع إحصاء نعم الله علينا، لكننا نستطيع أن نعيشها بقلوب ممتنة

ليس الغنى في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على رؤية ما نملك.