سن الرشد .. استقلالية تحرّك الاقتصاد

شمل التعديل الأخير لقانون المعاملات المدنية رقم (25) لسنة 2025 تخفيض سن الرشد من (21) سنة قمرية إلى (18) سنة ميلادية، بما ينسجم مع توجهات عدد من الأنظمة التشريعية المقارنة، ويمثل هذا التعديل خطوة مهمة في تعزيز استقلالية الأفراد وتمكين الشباب من ممارسة حقوقهم القانونية والاقتصادية بشكل أوسع، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على بيئة ريادة الأعمال في الدولة.

من الواضح أن المشرّع الإماراتي يهدف من خلال التعديل إلى إضفاء مرونة تدعم تعزيز الصلاحيات، وتساعدهم على تحمل المسؤولية وتسهيل ممارسة حقوقهم وتصرفاتهم القانونية باستقلالية، غير أن نجاح هذه الخطوة لا يتوقف عند الإطار التشريعي وحده، بل يرتبط بمدى وجود منظومة داعمة توازن بين منح الاستقلالية وضمان الجاهزية العملية لتحمل المسؤولية.

إن البحث المتمعن في أنظمة الدول التي تطبق تشريعات مماثلة يظهر أنها تتجه نحو منح الأهلية القانونية الكاملة دفعة واحدة عند سن الثامنة عشرة، ويتوقع أن يسهم هذا التوجه في تطوير التشريعات المرتبطة بالأهلية القانونية، لذلك فإننا نمتلك فرصة استثنائية لابتكار نموذج ريادي يكمل المنظومة الاقتصادية الإماراتية، والذي أستعرض هنا بعض ملامحه الرئيسة بإيجاز.

إن النظام المقترح هنا يتجاوز النمط العالمي السائد، ويؤسس لمنهجية توازن بين الحريات الاقتصادية والوقاية الاستراتيجية، ما سيجعله مرجعاً عالمياً جديداً في إدارة رأس المال البشري بالاعتماد على التدرج في التمكين. يعد قرار تعديل سن الرشد تحولاً هيكلياً ينم عن رؤية قيادية ثاقبة تجسد فلسفة استثمار الفرصة.

وعلى الرغم من الأبعاد الإيجابية، إلا أنني، من منظور إداري، أدرك تماماً أن الاستقلالية القانونية المطلقة قد تكون سيفاً ذا حدين إذا لم توضع في إطار أو نظام متكامل يضمن تحقيق أفضل النتائج ويتجنب المخاطر المحتملة.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه رائد الأعمال في سن الثامنة عشرة ليس في الطموح أو الفكرة، بل في الخبرة العملية والوقاية من التعثر القانوني أو المالي، لذا فإن الهدف الوطني يجب أن يتجاوز منح الصلاحية ليصل إلى ضمان الاستمرارية، عبر خلق بيئة تحمي هذا الطموح من الهزات الناجمة عن نقص الخبرة التجارية.

ومن خلال الاطلاع على بعض التقارير الاقتصادية نجد أن 70% من الشركات الناشئة تتعثر في سنواتها الأولى بحسب تقارير مؤسسة سي بي إنسايتس، ولا ترجع أسباب ذلك إلى نقص في الابتكار، بل إلى غياب الخبرة الإدارية والقانونية. وتشير بيانات مؤسسة سكور الأمريكية إلى أن الحصول على التوجيه والإرشاد المتخصص يرفع نسب نجاح هذه الشركات وبقائها في السوق بنسبة تصل إلى 50%.

ولتخطي هذه العقبة دون تقييد الحرية، أقترح تبني نظام رخصة التمكين الاقتصادي، وهو نموذج مقترح يقوم على مبدأ التدرج في التمكين.

ويرتكز هذا النظام على مسار اختياري، حيث يبدأ الشاب في سنته الأولى بمشاريع محدودة تحت إشراف توجيهي، تليها سنتان من الممارسة والتدريب وصقل المهارات والمساندة، حتى يصل إلى سن (21) سنة، الأمر الذي قد يضمن انتقالاً تدريجياً نحو استقلالية أوسع في اتخاذ القرارات الاقتصادية والتجارية.

هذا التدرج يمنح الشباب فرصة حقيقية لتعلم أصول التعاملات، وفهم التزامات العقود، وبناء تاريخ ائتماني ومهني سليم، ما يقلل من مخاطر الوقوع في أخطاء كارثية تؤثر في مستقبل مشاريعهم.

يكتسب هذا المقترح قوته من كونه خياراً وليس إلزاماً، حيث يمكن توجيه الشباب نحو هذا المسار عبر حزمة من الامتيازات التنافسية، فمن ينضم للمسار التدرجي يحصل على أولوية في الحصول على التمويل الميسر من الصناديق الوطنية ومؤسسات دعم مشاريع الشباب، وتسهيلات في الإجراءات الإدارية، فضلاً عن دعم استشاري قانوني متخصص ومجاني.

بهذا التوجه ستتحول المؤسسات الحكومية المعنية من جهات رقابية إلى شركاء نجاح، حيث يصبح الالتزام بالمسار الآمن ميزة تنافسية مغرية لكل شاب يعي أهمية تجنب المخاطر غير المحسوبة في بداية المسيرة المهنية، وسيخلق ذلك للشباب الطموح بيئة عمل ذكية تحفز على الاحترافية وتنبذ العشوائية.

إن نجاح هذا التحول النوعي لا يقاس بصدور التشريع فحسب، بل بجودة المنظومة التي ستستثمر في تطبيقه بطريقة نموذجية. نحن لا نمنح الشباب ضمانات للعمل، بل نبني بيئة وطنية نضمن فيها أن تكون الاستقلالية وسيلة للابتكار لا سبباً في الانزلاق نحو المخاطر.

إن بناء جيل من رواد الأعمال يتطلب تكاتف المؤسسات التعليمية والرقابية لخلق بيئة حاضنة للريادة، تضمن توازن التمكين مع الحكمة. بهذا التدرج المسؤول سيظل شبابنا هم الوقود المستدام للاقتصاد الإماراتي، معززين بالخبرة، ومحصنين بالمعرفة، ومستعدين دائماً للمنافسة العالمية.