مغنٍ أوبرالي برز في مصر ومات في أمريكا


محمد البكار
محمد البكار

كغيره من اللبنانيين الذين جاؤوا إلى مصر بحثاً عن الشهرة، حل محمد البكار في القاهرة في أوائل الأربعينيات، حاملاً معه صيتاً كان قد حققه في بلده في مجال الغناء الأوبرالي، بسبب صوته القوي النادر، الذي لم يكن بحاجة إلى ميكرفون من جهة، ودرايته المتعمقة بالموسيقى العربية والأجنبية، وتقديمه لوناً خاصاً به من جهة أخرى.

في القاهرة بدأ البكار، ذو الملامح الشامية المعروفة، والقوة الجسمانية البارزة، يغني بعض الأغاني من ألحانه، وبالتزامن فرض نفسه على مخرجي تلك الحقبة، فأشركوه في أفلامهم، من خلال منحه مساحات قصيرة، كانت معظمها كوميدية أو بدوية، أو من خلال توظيف أغانية لمرافقة أحداث الفيلم السينمائي، على نحو ما حدث في أفلام: البدوية الحسناء، غرام بدوية، ليلى بنت الفقراء، من الجاني.

يقول البعض إنه مُنح الجنسية المصرية بسبب عشقه لمصر والمصريين، وامتزاجه امتزاجاً وجدانياً مع أبناء حي التوفيقية الذي سكنه، واختلاطه مع كل من كان به من حرفيين وباعة، أو مع رواد مقهى ريكس بشارع عماد الدين، الذين كان يذهب إليهم للتسلية.

لكن البعض الآخر ينفي ذلك، موضحاً أنه فشل في الحصول على الجنسية، فقرر أن يغادر مصر إلى الولايات المتحدة سنة 1952، ليجرب حظه في أوساط المهاجرين العرب في الأمريكتين، حيث أقام لهم الحفلات الغنائية وأمتعهم، وظهر على شاشات التلفزة الأمريكية.

وبمغادرته مصر، انقطعت أخباره حتى تاريخ وفاته بولاية رود آيلاند في سبتمبر 1959، كنتيجة لإصابته بنزيف في الدماغ أثناء المهرجان اللبناني ــ الأمريكي في تلك السنة، علماً بأنه ولد في بيروت في عام 1913، لأب كان يعمل مفتشاً جمركياً، واشتغل ناظراً لمدرسة في الشويفات.

في مسيرته الفنية بمصر، مثّل 20 فيلماً سينمائياً، وظهر صوته دون صورته في أربعة أفلام أخرى، كما لحن الموسيقى التصويرية لبعض الأفلام.

من أفلامه الشهيرة، فيلم ( قلبي وسيفي - (1947)، وهو من الأفلام الوطنية، وحضر عرضه الأول في فبراير من ذلك العام الملك فاروق. في هذا الفيلم أدى البكار دور البطولة أمام مواطنته الصاعدة آنذاك المطربة صباح، فظهر في دور الشاب المستهتر، الذي لا ينصلح حاله إلا بعد دخوله الجيش.

ظهر البكار أيضاً في فيلم حكم الزمان (1953)، في دور المغني الشامي عنتر المقيم في مصر، والمتزوج من سيدة مصرية، حيث أدى أغنية شبه وطنية عن روابط اللحمة بين المصريين والشوام، مطلعها: «مرحبا يا مرحبا يا مرحبا..غنى لنا في فرحنا طير الربى».

وظهر في فيلم فرجت (1951)، مؤدياً دور صاحب تاكسي، وفي فيلم (فيروز هانم) - (1951)، مؤدياً دور معلم الحلويات الشامية أبوعصام الحلواني، وفي فيلم شهر العسل (1945)، مجسداً شخصة مطرب أوبرالي يدعى أيوب. ترك لنا البكار الكثير من الأغاني الشعبية التي لحّنها بنفسه وسجلها على أسطوانات وأودعها لدى الإذاعة المصرية، فحفظها من الاندثار، وهي ما زالت تطرب الناس إلى اليوم، على الرغم من كلماتها المتواضعة.

من أشهر هذه الأغاني: «يا بنات اسكندرية عشقكم حرام.. داب قلبي وداب جسمي.. كله من الغرام»، «عيونها سوده مكحلين»، «بنت الجيران»، «هيلا هوب.. اسمع مني.. إوعى الحب»، «ثريا.. ليه يا حياتي الأسية»، «يا جميلة يا زينة حتتنا.. دا عريسك طوّل رقبتنا»، «آه يا زين العابدين.. يا ورد منوّر.. بين البساتين»، وغيرها.

كما قدم دويتو «البنت الشلبية» مع سعاد مكاوي، واسكتش «رأس السنة» مع محمود شكوكو، وأوبريت «أنس الوجود» مع راقية إبراهيم، إضافة إلى قيامه بإعادة غناء مجموعة من الأغاني الفلكورية الشامية بطريقته الخاصة، مثل: «ع اليادي»، «ع الهوارة»، «ياهويدلك».