لا يحتاج المرء إلى نصيحة بقدر حاجته إلى من يصغي إليه بصدق، فالشعور بأن هناك من يتابع حديثنا باهتمام وتفاعل قد يكون أكثر تأثيراً في معنوياتنا من كثير من الحلول. من أغرب ما توصلت إليه الدراسات الحديثة أن بعض الناس قد يشعرون بدعم نفسي وحماس لمواصلة الحوار من «سماعة ذكية».
فقد كشفت دراسة أجريت على جهاز المتحدث الذكي «أليكسا» أن مستخدميه صارت تغمرهم مشاعر مريحة، وشعور بالدعم النفسي والعاطفي، وبدأوا يتحدثون أكثر. ما حدث أن هذا الجهاز زود بما يسمى بـ«التواصل الخلفي» Backchanneling، وهي إشارات تفاعلية تنم عن اهتمام المستمع وتفاعله العفوي، تماماً كما يفعل البشر.
تلك الإشارات اللفظية وغير اللفظية التي يصدرها المنصت تجعل محدثه يتفاعل أكثر وينتبه، بل يستوعب ما يتناهى إلى سمعه. ومن هذه الإشارات التي وضعت في الجهاز ما كان يردده بعفوية من كلمات مثل «صحيح»، «نعم»، «هممم»، «فهمت»، وحتى الصمت الذكي لبرهة كان جزءاً من هذا التواصل المؤثر، ذلك أن الصمت القصير هو جزء مهم من التفاعل، لأنه مؤشر على التأمل قبل الرد، وفيه دلالة على الاهتمام الجاد. وقد صممت آلة أليكسا بهذه الطريقة لكي ينغمس المتحدث في الحوار.
وكشفت الدراسة التي كانت بعنوان «أليكسا كمُنصِت فعّال: كيف يمكن لإشارات التفاعل أثناء الحديث أن تعزز الإفصاح الذاتي وتحسن تجربة المستخدم» للباحث يوجين شو وزملائه، أن مجرد إضافة إشارات بسيطة توحي بالإنصات أثناء حديث المستخدم مع المساعدات الصوتية الذكية كفيل بأن يدفع الأفراد إلى الإفصاح عن مشاعرهم بصورة أكبر، ويعزز شعورهم بالتعاطف والدعم، رغم أن «المُنصِت» لم يكن إنساناً.
الجهاز الذي صنعته أمازون يتلقى أوامر صوتية ثم يجري حواراً ويزودنا بشتى المعلومات التي نطلبها، تماماً كما يحدث في منصات الذكاء الاصطناعي، فإذا كانت «آلة» تستطيع أن تمنحنا هذا الشعور، فما بالنا بإنسان صادق في مشاعره وتفاعله مع محدثه.
بعد أزمة بمفاتيح تشغيل السيارات سيئة التصنيع عام 2014، التي تعرضت لها شركة جنرال موتورز الأمريكية وراح ضحيتها عدد من الناس، أدركت رئيستها التنفيذية أن المشكلة لم تكن تقنية فحسب، بل مرتبطة بالتواصل، فوضعت خطاً ساخناً لتعزيز السلامة، وقررت النزول إلى المصانع وعقد جلسات استماع مباشرة مع فرق العمل من دون حواجز المديرين. هذا التصرف يدفع الإنسان إلى التحدث بصراحة أكبر، لأنه يشعر أن من أمامه يرهف السمع بجدية.
ويرى عالم النفس كارل روجرز أن الإنسان عندما يشعر بأنه مفهوم ومقبول ويجد آذاناً صاغية دون أحكام مسبقة، يصبح أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره وفهم ذاته بصورة أعمق، الأمر الذي جعله يضع «الإنصات المتعاطف» في صميم منهجه العلاجي.
وكان مؤسس أمازون نفسه يقوم بتصرف غريب، وهو وضْع كرسي فارغ في الاجتماعات الكبرى، ليمثل العميل الغائب، وذلك لكي يذكّر الحاضرين بأن أخطر ما يصيب المؤسسات هو انشغالها بنفسها والتوقف عن الإنصات للعميل الذي يدفع فاتورة كل شيء تقريباً. ورغم أن الكرسي كان جماداً لا ينطق، إلا أن مجرد وجوده كان له أثر ملحوظ في استعداد الجميع للتفاعل مع من يمثله.
أياً كان شكل الإنصات، فهو مهم، لكنه ينبغي أن يكون بطريقة منهجية ومؤسسية لا مجرد ردود أفعال. كما أن أي إنصات شكلي أو مصطنع مغاير لطريقة تلك السماعة الذكية، لن ينتج عنه سوى مزيد من النفور وخيبات الأمل، فالناس تميل نحو من يصغي بجدية وحرص وتفاعل عفوي حتى يصبح النقاش مثمراً.