القامشلي.. سوريا المصغّرة

يُروى أن المدن التي تُبنى بعد الحروب تكون أكثر المدن قدرة على فهم معنى السلام.‏ و«القامشلي» الواقعة في أقصى ‏شمال شرقي سوريا واحدة من تلك المدن،‏ فهي لم تولد من انتصار جيش، ولا من مشروع إمبراطورية، ولا من قرار ‏سياسي، بل ولدت من خسارات البشر، من عائلات حملت ما تبقى من ذاكرتها، وغادرت أوطاناً كانت تشتعل خلفها، بحثاً ‏عن فرصة جديدة للحياة.‏

عند ضفاف نهر الجقجق، وفي البقعة التي كانت مجرد أرض قصب وخيام متناثرة قرب محطة قطار وحدود جديدة رسمتها ‏خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى، وصل أناس منهكون من المجازر والحروب والانقسامات.

وصل الأرمن الهاربون من المجازر، والسريان والآشوريون الناجون من «سيفو»، وأكراد الأناضول الفارون من القمع، ‏وعرب الجزيرة والبادية الرحّل الذين عرفوا الأرض والماء والقمح منذ قرون، واليهود القادمون من نصيبين وأورفا على ‏الجانب التركي وبعض مدن شمال بلاد ما بين النهرين.‏

‏ جميعهم جاؤوا مثقلين بالخسارات، لم يكن بينهم ما يوحّدهم سوى شيء واحد، أنهم جميعاً خسروا وطناً، فقرروا أن ‏يبنوا وطناً جديداً، فولدت القامشلي عام 1926 لا بوصفها مدينة لأبناء عِرق واحد، بل بوصفها فكرة سورية مبكرة عن التعايش.‏ ‏

ومن أجمل تفاصيلها الرمزية أن اسم المدينة نفسه يروي حكاية تعددها الحضاري «القامشلي» أو كما سُميت تاريخياً في ‏السريانية (بيث زالين)، أي مكان القصب، التي تحولت لاحقاً إلى «قامش» الترجمة التركية للاسم ذاته.

ومن ثم إلى ‏‏«القامشلية» كما تلفظ في اللهجة الجزراوية، وكما هو منقوش على حجر أساس بلدية المدينة، وصولاً إلى اسمها الحالي ‏‏«القامشلي»، وكأنها منذ ولادتها أتقنت العبور بين اللغات والثقافات والحدود.

بعد قرن كامل، لا تبدو القامشلي مجرد مدينة في أقصى الشمال الشرقي السوري، بل تُعد أرشيفاً حيّاً لفكرة النجاة السورية، ‏ولحكاية شعب استطاع أن يحوّل التنوع إلى هوية، حيث تسمع في أسواقها حتى يومنا هذا أكثر من لغة، وفي صباحاتها ‏أكثر من صلاة، وفي بيوتها أكثر من ذاكرة.
ثم جاء القطار.

ذلك البطل الخفي في حكاية القامشلي،‏ حين أصبحت محطة المدينة جزءاً من خط بغداد الحديدي، لم ‏تكن القطارات حينها تحمل الركاب والبضائع فقط، بل كانت تحمل معها حكايات ولهجات وأحلاماً جديدة. وكانت المدينة ‏تنمو مع كل صفارة قطار، حتى قال بعض أهلها يوماً إن القامشلي وُلدت من صوت صفارة القطار.‏

ولم تكن القامشلي مجرد ملجأ للناجين، بل سرعان ما تحولت من مدينة حدودية صغيرة إلى واحدة من أكثر مدن الجزيرة ‏السورية حيوية ونشاطاً، ومركزاً اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً على تخوم تركيا والعراق، فمن سهولها خرج القمح الذي أطعم ‏سوريا لعقود.

وفي أسواقها التقت طرق التجارة القادمة من العراق وتركيا وعمق الجزيرة، ومن مدارسها وكنائسها ‏وجوامعها ومؤسساتها الثقافية تخرجت أجيال من السوريين الذين حملوا اسم المدينة إلى مختلف أنحاء البلاد والعالم. ‏لقد نجحت القامشلي فيما فشلت فيه أماكن كثيرة؛ إذ حولت التنوع من عبء محتمل إلى مصدر قوة، ومن اختلاف ‏الهويات إلى هوية جامعة تتسع للجميع.‏

بعد قرن من الزمن على تأسيسها، قد تختلف الروايات حول القامشلي. سيقول البعض إنها مدينة كردية، وسيقول آخرون ‏إنها سريانية، وقد يراها البعض أرمنية الذاكرة، أو عربية الروح، أو يهودية الشواهد، وربما لاحقاً يراها البعض محلمية، لكن ‏المدن العظيمة لا تُعرَّف بمن سكنها فقط، بل بمن شارك في بنائها.

والقامشلي بُنيت بأيدي الجميع،‏ بناها اللاجئ الذي ‏وصل إليها حاملاً مفتاح بيت لم يعد قائماً، وبناها الفلاح الذي رأى في سهولها وعداً بالحياة، وبناها التاجر الذي فتح دكانه ‏على أمل أن يبدأ من جديد، وبناها الأطفال الذين لعبوا في شوارعها قبل أن يعرفوا معنى القومية أو الطائفة أو الحدود؛‏ ‏لذلك لا يمكن أن يحتكرها أحد، ولا يمكن اختزال مئة عام من التاريخ في رواية واحدة أو مكوّن واحد.

وربما تكمن عظمة القامشلي في أنها لم تطلب من أحد أن يتخلى عن ذاكرته كي ينتمي إليها، فالأرمني احتفظ بحكايته، ‏والسرياني بلغته، والكردي بأغانيه، والعربي بعاداته، واليهودي بذكرياته القديمة، ومع ذلك لم تتحول المدينة إلى جزر ‏منفصلة، بل إلى بيت واحد واسع تتجاور فيه الهويات دون أن تتصارع.‏

ولعل القامشلي تشبه، في جانب من حكايتها، مدناً قليلة في التاريخ صنعت هويتها من تعدد من سكنوها لا من وحدة ‏أصولهم. فكما كانت الإسكندرية القديمة ملتقى لشعوب وثقافات متعددة استطاعت أن تبني مدينة واحدة وهوية ‏جامعة.

جاءت القامشلي أيضاً من طرق مختلفة وذاكرات متباعدة لتصنع مكاناً مشتركاً يتسع للجميع. غير أن الإسكندرية ‏وُلدت من حلم إمبراطورية أرادت أن تجمع العالم، أما القامشلي فولدت من حلم أناس فقدوا عوالمهم الخاصة، فقرروا أن ‏يبنوا معاً عالماً جديداً.

ولهذا، فإن مئوية القامشلي ليست احتفالاً بمدينة فقط، بل احتفال بانتصار فكرة. فكرة أن البشر قادرون، رغم اختلاف لغاتهم وأديانهم وأصولهم، على بناء مكان واحد يتسع للجميع.‏ وربما لهذا السبب ‏تستحق أن تُسمى «سورية المصغّرة»، لأنها طوال مئة عام، لم تكن مجرد مدينة تشبه سورية، بل كانت نموذجاً لسورية ‏التي حلم بها أبناؤها؛ سوريا التي تتسع للجميع، وتحمي الجميع، وتجعل من تنوعها مصدر قوة لا سبباً للانقسام.