اللحظة العربية في المونديال.. ثماني دول على أكبر مسرح كروي في العالم

يدخل العرب مونديال 2026 بحدث غير مسبوق في تاريخ كأس العالم الممتد منذ عام 1930. للمرة الأولى، ستشارك ثماني دول عربية في البطولة نفسها، في لحظة تتجاوز حدود الرياضة إلى السياسة والثقافة والاقتصاد. لعقود طويلة، كان الوجود العربي في المونديال رمزياً، منتخب أو اثنان كل أربع سنوات، يودّعان مبكراً، وسط آمال جماهيرية تفوق الإمكانات. أما اليوم، فإن وصول ثمانية منتخبات عربية إلى النهائيات، يشير إلى تحوّل عميق، وإلى انتقال المنطقة من موقع الضيف إلى موقع الشريك الفاعل في صياغة مستقبل اللعبة.

هذا التحوّل لم يكن تدريجياً. ففي مونديالي 2010 و2014، لم يتأهل سوى منتخب عربي واحد. وفي 2006 و2002، كان العدد اثنين. وحتى نسختي 2018 و2022، اللتين شهدتا مشاركة أربعة منتخبات عربية، تبدوان اليوم متواضعتين أمام القفزة الحالية. الانتقال من أربعة إلى ثمانية، ليس مضاعفة رقمية فحسب، بل هو انعكاس لبنية كروية جديدة، تشكّلت عبر الاستثمار، وتطوير المواهب، وارتفاع سقف الطموح لدى جيل جديد، لم يعد يرى العالمية حلماً بعيداً.

صحيح أن توسيع البطولة إلى 48 منتخباً فتح الباب أمام فرص أكبر، لكن التأهل ظل قائماً على الجدارة. المنتخبات الثمانية —قطر، السعودية، المغرب، تونس، الجزائر، مصر، العراق، والأردن— لم تصل بالصدفة. لقد نضجت البنية الكروية العربية: تطورت الدوريات، تعددت الأكاديميات، وازدادت أعداد اللاعبين العرب المحترفين في أوروبا. كما أن إنجاز المغرب التاريخي في نصف نهائي 2022، كسر حاجزاً نفسياً، وأثبت أن المنتخب العربي قادر على الوقوف أمام القوى الكبرى بثبات وثقة.

هذا الحضور الجماعي يغيّر أيضاً طبيعة التوقعات. فبعد سنوات كان فيها الهدف تجنّب الخروج المبكر، يدخل العرب مونديال 2026 بروح مختلفة. المغرب يسعى لتكرار إنجازه أو تجاوزه. الجزائر تعود بروح انتقام رياضي بعد غياب مؤلم. مصر تبحث عن أول فوز في كأس العالم. الأردن يدخل للمرة الأولى محمّلاً بزخم كبير. أما المنتخبات الخليجية —السعودية وقطر— فتحمل معها إرث استثمارات ضخمة في البنية التحتية واللاعبين، وتجارب أثبتت قدرتها على مفاجأة العالم، كما حدث في فوز السعودية على الأرجنتين في 2022.

خارج الملعب، تتسع الدلالات. وجود ثمانية منتخبات عربية يعني مشاهدة جماهيرية غير مسبوقة، وحالة وحدة وجدانية في منطقة كثيراً ما تختلف سياسياً، لكنها تتفق على شغف كرة القدم. كما يعني قوة تجارية أكبر، إذ تنظر الشركات العالمية إلى المنطقة باعتبارها سوقاً مركزية، فيما يشكّل المونديال منصة لتعزيز النفوذ الرياضي والاقتصادي. وفي الخليج تحديداً، يأتي هذا الحضور ضمن رؤية أوسع، تستخدم الرياضة كأداة قوة ناعمة، وتنويع اقتصادي وانفتاح عالمي.

اقتصادياً، يفتح هذا الوجود الباب أمام ارتفاع قيمة اللاعبين، وزيادة الاستثمارات الأجنبية في الدوريات العربية، وتسريع تطوير المواهب. فالقوة المالية الخليجية، والعمق البشري في شمال أفريقيا، والنهضة الكروية في بلاد الشام، كلها عناصر تتقاطع اليوم في منظومة عربية واحدة، تتشكل ملامحها بوضوح. ما يحدث ليس طفرة عابرة، بل بداية دورة جديدة، ستؤثر في مستقبل اللعبة في المنطقة لسنوات طويلة.

لكن التحول الأهم قد يكون نفسياً. فبعد عقود كان فيها المشجع العربي يتابع المونديال بقلب منقسم —يؤازر منتخباً عربياً وحيداً، ثم يبحث عن منتخب أجنبي يكمّل معه الرحلة— يدخل العرب نسخة 2026 بوفد كامل. ثمانية أعلام. ثمانية أناشيد وطنية. ثماني فرص للحلم. هذا الشعور لا يُقاس بالأرقام، لكنه سيترك أثراً عميقاً من الرباط إلى الرياض، ومن القاهرة إلى دبي.

وجود ثماني دول عربية في كأس العالم، ليس رقماً في جدول الإحصاءات. إنه إعلان حضور. رسالة تقول إن الكرة العربية انتقلت من الهامش إلى المركز، وإن المنطقة باتت جاهزة، لا للمشاركة فقط، بل للمنافسة. والأهم، أن الفصل القادم من تاريخ كرة القدم العالمية، لن يُكتب من دون دور عربي رئيس، وهذا ما نتمناه.