هندسة العمل الحكومي

لم تعد الحكومات تُقاس بسرعة إنجاز المعاملات وما تقدمه من خدمات فقط، وإنما بقدرتها على استشراف المستقبل وما يحتاجه الإنسان قبل أن يطلبه، وبمدى استعدادها للتعامل مع عالم سريع التحولات، ففي الماضي، كان التطور الحكومي مرتبطاً ببناء المؤسسات وتطوير التشريعات وتحسين الإجراءات.

ثم تغيرت مفاهيم كثيرة مع الثورة الرقمية، فانتقلت الحكومات من الأوراق إلى الشاشات، وتحولت إلى الخدمات الذكية. وها نحن اليوم، نقف أمام مرحلة مختلفة تماماً تتعلق بإعادة هندسة العمل الحكومي نفسه.

طالما عرفت الإمارات أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، ولذلك لم تتجه إلى استيراد الحلول الجاهزة بقدر ما ركزت على بناء القدرات الوطنية القادرة على فهم التحولات العالمية وصناعة نماذجها الخاصة، وهو ما يمكن قراءته في البرنامج الوطني لتأهيل عشرات الآلاف من موظفي الحكومة الاتحادية في مجال الذكاء الاصطناعي المساعد، تحقيقاً لرؤية واسعة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكاً في صناعة القرار وتحسين الأداء وإعادة تصميم الخدمات.

ما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي من حكومة تعتمد على الإجراءات إلى حكومة تعتمد على المعرفة، ومن مؤسسات تقيس نجاحها بحجم ما تنفقه إلى مؤسسات تقيس نجاحها بحجم ما تنتجه من قيمة مضافة للمجتمع، لذا تبدو فكرة تأهيل الموظف الحكومي اليوم مختلفة عن أي مرحلة سابقة.

فالمطلوب لم يعد مجرد إتقان برنامج أو منصة رقمية، بل امتلاك القدرة على التفكير بطريقة جديدة، وفهم البيانات بصورة أعمق، والتعامل مع المعرفة بوصفها مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن أي مورد آخر، فعندما تصبح المعرفة الرقمية جزءاً من الثقافة المؤسسية اليومية، ويمتلك الموظف أدوات التحليل والتنبؤ وصناعة القرار المدعوم بالبيانات، فإن المؤسسة بأكملها ترتقي إلى مستوى جديد من الكفاءة والمرونة والابتكار.

مسار:

الحكومات القوية ليست تلك التي تواكب المستقبل عندما يصل، وإنما تلك التي تتهيأ له قبل أن يطرق أبوابها.