تعاظم أهمية تحالف «كواد» الرباعي

يخطئ من يعتقد أن تحالف «كواد» الرباعي، المكون من الولايات المتحدة الأمريكية والهند وأستراليا واليابان، قد مات وانتهى، أو تقلص دوره وأهميته. وبالمثل، يخطئ من يعتقد أن مبرراته قد انتفت بعد القمة الأمريكية ــ الصينية الأخيرة في منتصف مايو الفائت.

فهذه القمة لم تثمر عن شيء سوى «مكاسب اقتصادية محدودة، وهدنة سياسية هشة، مع استمرار التنافس الهيكلي العميق»، بحسب تعبير الزميل حسين شبكشي.

ثم إن ظهور «كواد» في عام 2007 كحوار أمني رباعي، وشراكة استراتيجية غير رسمية، بمبادرة من رئيس وزراء اليابان الأسبق «شينزو أبي»، كان هدفه الأساسي هو الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة، وضمان ازدهارها، في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد، وسياسات بكين في عسكرة المياه الدولية.

والمعروف أن بكين سارعت بالتعبير عن قلقها من هذا التحالف وقت إطلاقه في 2007، ثم مرة أخرى وقت إحيائه في عام 2017، بل اعتبرته بمثابة «ناتو آسيوي»، غرضه محاصرة الصين واستفزازها، من خلال تبنّي عقلية الحرب الباردة، على الرغم من تأكيد أعضاء التحالف أن «كواد» لا يستهدف دولة بعينها، ويركز على التعاون في مجالات الملاحة البحرية، ومراقبة الحدود والأمن البحري، وأمن الطاقة والتكنولوجيات الحيوية.

ومما لا شك فيه أن مبررات وجود تحالف مثل «كواد» كقوة موازنة فعالة، قد تضاعفت اليوم، في ظل سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، وما يجري في المضايق والمياه الدولية من صراعات، الأمر الذي يستدعي ــ من وجهة نظرنا ــ ضرورة تحويله من حوار أمني، إلى تحالف رسمي مفتوح أمام دول مؤثرة أخرى.

نستطيع فهم أولئك الذين قالوا بموت «كواد» وانتفاء أهميته، فبعضهم ينطلق من موقف عدائي مطلق ضد واشنطن وسياسات ترامب، والبعض الآخر لا يستطيع إخفاء إعجابه بالنظام الصيني، وسياسات الرئيس «شي جينبينغ»، والبعض الثالث بنى فرضيته على حقيقة أن قادة التحالف لم يعقدوا أي قمة منذ قمة ديلاوير بالولايات المتحدة عام 2024.

وأن القمة التي كانت مقررة في نيودلهي العام الماضي، قد ألغيت (كان السبب تدهور العلاقات الأمريكية ــ الهندية، على خلفية حملة الرئيس دونالد ترامب الصارمة على الهجرة.

وفرضه تعريفات جمركية عالية على الواردات من الهند، ناهيك عن التوترات الناجمة عن مشتريات الهند من النفط الروسي، والتقارب الأمريكي ــ الباكستاني).

ويبدو لنا أن هذا البعض الثالث غير قادر على استيعاب فكرة أن لكل دولة من دول «كواد» سياساتها الخاصة المستقلة، وتتصرف بما تمليها عليها مصالحها الوطنية، ولها أجنداتها الخاصة بالحفاظ على نفوذها وتعزيزها، وعليه،.

فقد تختلف، لكنها تلتقي عند نقطة مقاومة الطموحات الصينية التي تراها من وجهة نظرها مزعزعة للاستقرار، في المحيطين الهندي والهادئ. ولأن الديناميكيات الهيكلية في منطقة المحيطين لم تعد على حالتها القديمة، ببروز الصين كقوة اقتصادية وعسكرية وصناعية هائلة.

ولأن التحديات الجيوسياسية أمام «كواد» تضاعفت، جاء قرار دول التحالف الأربع في عام 2017، بإعادة الحوار الأمني، بعد توقفه لفترة وجيزة. ومؤخراً، عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعاً في نيودلهي، وهذا وحده يكفي دليلاً على حيوية واستمرار «كواد».

ويعتقد على نطاق واسع أن التحالف في طريقه إلى توسيع أهدافه وتعميقها، فمن بعد سنوات من التعاون السيبراني والاستخباراتي، والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات، وأعمال الإغاثة الإنسانية، ومقاومة القرصنة البحرية، برزت اليوم الحاجة إلى التركيز على التعاون في البنية التحتية في المحيطين، وفي مجالات الموانئ وكابلات الاتصالات البحرية والمعادن الحيوية النادرة، وشبكات الخدمات اللوجستية وأمن المضائق والممرات الدولية.

ومن هنا، كان إيلاء وزراء خارجية الدول الأربع اهتماماً خاصاً بمسائل مثل إنشاء موانئ مشتركة في فيجي ونيكوبار الكبرى، الأمر الذي يشير إلى تحول جيواقتصادي استراتيجي، وعودة الجغرافيا الاقتصادية لتصبح عاملاً محورياً في ديناميكيات القوة.

فوفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن نحو 80 % من التجارة العالمية تنقل بحراً عبر مسار يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الهندي، فمضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي في المحيط الهادئ.

كما ينقل عبر هذا المسار المائي أكثر من 30 % من تجارة النفط الخام العالمية، ونحو 40 % من شحنات الغاز الطبيعي المسال. والمعروف أن جزر فيجي، التي أدمجها «كواد» الآن في شبكة تحالفاته، تعد نقطة ارتكاز سياسية واقتصادية في جنوب المحيط الهادئ.

أما جزيرة نيكوبار الكبرى الهندية، فتعد بوابة حيوية للسيطرة على خطوط الملاحة البحرية، كونها تقع عند المدخل الاستراتيجي لمضيق ملقا، وبالتالي، تمثل نقطة مراقبة طبيعية هامة، تتيح للهند وشريكاتها إغلاق أو مراقبة الممرات الحيوية التي تعتمد عليها الصين في إمدادات الطاقة والتجارة.