بيادق تافهة ومسيّرة ومصابة بالحَوَل!

خلال ثلاثينيات القرن الماضي، رفعت الإمبراطورية اليابانية شعاراً دغدغ مشاعر الدول الآسيوية المحتلة من بريطانيا وهولندا وفرنسا والولايات المتحدة، وهو «آسيا للآسيويين»، واستمالت قطاعات هائلة من شعوب كوريا والصين والفلبين وبورما وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا والهند، الذين انساقوا لذاك الشعار والوعود الوردية بازدهار مشترك وحرية وتنمية اقتصادية واستقلال تام، وقدمت اليابان نفسها كأخ كبير يسعى لحماية الشعوب الآسيوية من «نير الاستعمار الغربي».

النتيجة كانت أنْ شكّلت اليابان حكومات شكلية في أغلب تلك الدول، لتستبدل الاستعمار الغربي باحتلال ياباني مقنَّع، لتمتد الإمبراطورية اليابانية في أوائل الأربعينيات من الهند غرباً حتى جزر المحيط الهادئ شرقاً، ولتنهب في هدوء موارد تلك الدول من نفط ومعادن ومطاط وأرز لصالحها فقط، وفرضت العمل القسري على الملايين من شعوب تلك الدول لخدمة أغراضها، وأجبرت نساء تلك الدول على العمل بالدعارة لتسلية الجنود اليابانيين، وارتكبت بعد تذمر السكان من سياساتها مذابح مروّعة، وقامت بتجويع بلد بأكمله كبورما لكسر إرادة الشعوب، وسامت السكان أسوأ معاملة، لذا كان يوم هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية يوماً مشهوداً لتلك الشعوب التي ما زالت حتى اليوم تحمل كراهية عميقة تجاهها.

الإيرانيون الفرس خبراء في «صناعة الرمز» كدُمْية تجذب حولها الغوغاء وأشباه المتعلمين وقصيري الرؤية، فقد بدأوا قديماً بتقديم رمز له هالة مقدسة لقربه من بيت النبوة، وهو سيدنا الحسين رضي الله عنه، وحملوا زوراً لواء إعادة حقه والثأر له ممن قتله، وحمّلونا زوراً أيضاً غِبَّ مقتله، وكما يزعمون، أصبح الثأر متحركاً عبر الزمن ضد كل أجيال أهل السنة، حتى بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً على الحادثة، لكنهم باستغلال هذا الرمز أوجدوا مذهباً طائفياً يسهل استقطاب أتباعه وشحنهم عند أي مناسبة يريدها أصحاب عمائم الشر في «قُم».

ولأنهم فهموا سهولة استغفال قطاعات من العرب البلهاء بمثل هذه الشعارات، وثقل تأثير الرمز في نفوسهم، تم البحث عن رمز جديد يستطيع به الفرس احتواء الطرف «السُّني»، الذي هو أغلب الأمة، فكان الرمز هذه المرة الذي نجحوا في استخدامه بشكل شيطاني أو ربما لم يدر بخَلَد الشيطان نفسه هو «القدس» وقضية فلسطين.

هناك قطاعات كبيرة من الشعوب العربية تعاني من سوء الحال وانسداد المستقبل وضعف الانتماء لوطن وهوية لا تعزز فيهم مشاعر الكرامة والعزة ورفض الظلم، لذلك تبحث عن «هوية اجتماعية تعويضية» كما ذكرها هنري تاجفل، وتلميذه جون تيرنر في نظرية الهوية الاجتماعية«Social Identity Theory»، فالبشر يكفي أن يشعر أحدهم بأنه ينتمي لجماعة أو قضية لتخلق لديه قيمة داخلية يعوض بها الإحساس العميق بالانكسار والهزيمة والبؤس في واقعه المحلي، لذا من يرفع له شعاراً مماثلاً ولو كان كاذباً يمنحه هوية جديدة ينتمي لها، و«يستميت» في الدفاع عنها وعمّا تمثله وتنادي به.

كما أن العلماء قد وضحوا أن العقل يعمل بنظامين وفق نظرية المعالجة الثنائية «Dual Process Theory»، فالأول سريع وعاطفي ولا يفكر، والثاني بطيء ونقدي ومرهق، ولا يمكن أن يعملا معاً، ولا أدّعي أن الإيرانيين يعرفون هذه النظرية، لكنها تفسر غيبوبة العرب و«تدجينهم» وفق الرؤية «المتأيرنة» التي نراها، فرفع شعار «القدس» يُفعّل النظام الأول، ويُعطّل الثاني فوراً، لذلك لا يسأل هؤلاء العرب أنفسهم: ماذا فعلت إيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وكيف جعلت شعوبها تعود سنين للوراء في سلّم الحضارة، ولماذا لا يمر طريق القدس لديها إلا على جثث العرب في بغداد والموصل ودمشق وحلب وحماة وصنعاء وبيروت؟ ولماذا تطلق «أغلب» صواريخها ومسيّراتها على دول الخليج «العربية» و«المسلمة» و«المسالمة»، التي كانت وما زالت أكبر داعم لفلسطين وقضيتها وشعبها؟

مجموعة التساؤلات هذه تفسرها بدورها نظرية «الإدراك الانتقائي» Cognitive Dissonance، حيث يبدأ الشخص المتعاطف مع طرف ما بتبنّي ذهنية تقوم بتصفية المعلومات التي تتعارض مع هذا التعاطف ويقوم بتبريرها، فإيران لم ترتكب المجازر في العراق وسوريا، بل هذه دعاية أمريكية معادية، وهي لم تدعم الميليشيات الطائفية في لبنان واليمن، لكنها أحيت في الأمة روح «المقاومة»على حد زعمها، وهي لا تقصف دول الخليج، بل ترد على القواعد الأمريكية فقط فيها، ودعوى قصف الأهداف المدنية أكذوبة للخليجيين.

هذه القطاعات من الشعوب العربية المغيَّبة عن وعيها والمُدجّنة تحت سردية عمائم الشر لا تعدو أن تكون بيادق للاستهلاك على رقعة شطرنج، لكنها بيادق مصابة بالحَوَل، لا تتعلّم من دروس التاريخ، ويكفي لشرائها مجرد خطبة حماسية أو رفع شعار أو استدعاء رمز في غير موضعه، وتحوّلت «القدس» بخبث إيران وأذنابها المتأيرنين من قضية سامية يستهدَف تحقيقها إلى «مَوْرِد» عاطفي يستهلك لتدجين وتحريك جماهير غاضبة من واقعها، فأضاعت كل الطرق، وخسرت من بقي لها من أصدقاء، ولكن عن قريب سيكون الحال كما قال الشاعر:

ستعلمُ إذا انجلى الغبارُ

أفَرَسٌ تحتكَ أم حمارُ!