دبي نموذج عالمي للحفاظ على البيئة كأساس للتنمية المستدامة

البيئة هي الإرث المشترك للإنسانية جمعاء، وصونها مسؤولية تتجاوز الحدود، لتجمع الأمم خلف مسؤولية واحدة. وفي يوم البيئة العالمي، يجدد العالم هذا الميثاق مع بيئته، ويُذكّر المجتمع الدولي بأن الاستثمار في البيئة هو استثمارٌ في صحة الشعوب ورفاهيتها وازدهار اقتصاداتها في المستقبل.

في دولة الإمارات، هذه القناعة هي منهج والتزام لمواجهة واقع بيئي يفرض العديد من التحديات، وصون البيئة المحلية، كأحد أهم موارد المستقبل.

دبي اختارت مساراً واضحاً: أن نجعل من الاستدامة البيئية ركيزةً أساسية في رؤيتنا التنموية، لا إضافةً هامشية. ويجسّد هذا الاختيار في خطة دبي الحضرية 2040، وأجندة دبي الاقتصادية D33، التي تُدمج البُعد البيئي في صميم التخطيط الحضري والاقتصادي.

وتتناغم هذه الاستراتيجيات مع التوجهات الوطنية، التي تعبر عنها الأجندة الوطنية الخضراء 2030، واستراتيجية الحياد المناخي 2050، والتي تهدف مجتمعةً لتحقيق التنمية المستدامة، وبناء اقتصاد تنافسي، يزدهر فيه الإنسان مع بيئته. وفي هيئة دبي للبيئة والتغير المناخي، نحمل مسؤولية تحويل هذه الرؤية إلى مبادرات ملموسة، ترسم ملامح مستقبل أكثر توازناً.

لعل أبرز ما يميز دبي اليوم، هو شبكتها من المحميات الطبيعية، التي تمثل خزاناً حياً للتنوع البيولوجي في قلب المدينة. في مقدمها محمية جبل علي للحياة الفطرية، الموقع البحري الوحيد في الإمارة، والحاضنة الأخيرة للسلاحف البحرية المهددة بالانقراض.

وبمساحتها الممتدة على 75.2 كيلومتراً مربعاً، تحتضن المحمية أكثر من 619 نوعاً من الكائنات الحية، بينها أنواع مهددة بالانقراض، كسلاحف منقار الصقر، وبقر البحر، والشعاب المرجانية المدرجة على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة.

في عام 2025 وحده، رصدنا في هذه المحمية 28 عشاً لسلاحف منقار الصقر، وتجاوز عدد البيض المُفقَّس 1,080 بيضة، بمعدل فقس بلغ 75.5 %، وهو معدلٌ استثنائي على المستوى العالمي، يعكس صحة النظام البيئي، ونجاح جهود الحماية.

وإلى جانب محمية جبل علي، تشكّل محمية رأس الخور للحياة الفطرية، أحد أثمن الكنوز البيئية في قلب المشهد الحضري لإمارة دبي، إذ تستضيف مئات الآلاف من الطيور المهاجرة سنوياً، ما يجعل منها موطناً آمناً لها.

ونعمل على تطوير هذه المحمية، وتعزيز منظومة رصدها وإدارتها، حيث تشهد محمية رأس الخور مشروعاً تطويرياً ضخماً، بقيمة 650 مليون درهم إماراتي، المقرر إنجازه بحلول نهاية عام 2026، بالتعاون بين بلدية دبي وهيئة دبي للبيئة والتغير المناخي، انسجاماً مع خطة دبي الحضرية 2040، حيث يهدف إلى تعزيز التنوع البيولوجي، وتعزيز استدامة الموائل الطبيعية، وترسيخ مكانة المحمية بوصفها وجهةً رائدة للسياحة البيئية المستدامة.

كما ننفّذ مشروع زراعة 40,000 شجرة قرم في محميات دبي خلال عامين، في إطار المساهمة في المستهدف الوطني لزراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول 2030.

وأشجار القرم ليست مجرد نباتات ساحلية، إنها من أكثر النظم البيئية كفاءةً في امتصاص الكربون، وتُوفّر مواطن آمنة لصغار الأسماك والكائنات البحرية، وتحمي السواحل من التآكل. غرسة واحدة من القرم، هي استثمارٌ بيئي يمتد عمره لعقود.

ومن أبرز ما نعوّل عليه في مسيرتنا البيئية البحرية، هو مشروع مشدّ دبي، المشروع البحري المتكامل، الذي يهدف إلى إعادة بناء الحياة البحرية في مياه دبي، وتعزيز التنوع البيولوجي في مياه دبي.

يرتكز هذا المشروع على الدراسات العلمية، ويُعدّ نموذجاً رائداً لمزج الابتكار بالحفاظ على البيئة البحرية. ويُعد من الأكبر من نوعه عالمياً، إذ يمتد على مساحة 600 كيلومتر مربع، ويشهد تثبيت 20,000 وحدةٍ من الشعاب البحرية المصممة لهذا الغرض، والتي ستسهم في توفير مناطق التغذية والتكاثر للأنواع الحية في مياه دبي.

غير أن كل هذه الجهود تبقى منقوصةً دون شريكٍ حقيقي: المجتمع؛ فالبيئة لا تُحمى بقرارات حكومية وحسب، بل بثقافة مجتمعية راسخة، تُدرك أن هذه الأرض أمانةٌ مشتركة.

ولهذا، نعمل على بناء منظومة متكاملة من الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، إيماناً بأن الالتزام البيئي الحقيقي، هو الذي يتجذّر في وجدان الأفراد، ويتحوّل إلى سلوك يومي، قبل أن يكون نصاً في وثيقة، أو بنداً في خطة.

بهذه الرؤية، نواصل العمل نحو مستقبل أخضر، نوسّع فيه شبكة محمياتنا، ونعمّق تكاملنا مع المنظومة البيئية الوطنية، ونعزز توظيف الحلول الحديثة في خدمة القرار البيئي.

وتضمن هذه الجهود مجتمعةً، التزامنا بشراكاتنا الدولية في إطار اتفاقية رامسار، والاتفاقيات التي تشارك دبي ودولة الإمارات فيها، لتكون دبي نموذجاً عالمياً للحفاظ على البيئة كأساس للتنمية المستدامة، لأن ما نُنجزه اليوم، هو الضمان الأمثل لمستقبل كوكبنا.