حين يصبح الواضح محل جدل.. إيران وسقوط الأقنعة الأخيرة

من المؤسف أن تضطر إلى تعريف ما هو معروف، ومن المؤسف أن تشرح ما هو واضح للعيان، ومن المؤسف أكثر أن تجد نفسك مطالباً بالدفاع عن حقوق سيادية بديهية أقرتها الأعراف الإنسانية والمواثيق الدولية قبل أن تكرسها القوانين الحديثة.

فحين نصل إلى مرحلة نطالب فيها باحترام سيادة الدول، وحسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، فإن المشكلة لا تكون في غموض المبادئ، بل في وجود من قرر تجاهلها أو تجاوزها أو إعادة تفسيرها بما يخدم مصالحه وأطماعه.

ولهذا جاءت تغريدة معالي الدكتور أنور قرقاش الأخيرة لتعيد التذكير بما يفترض أنه من المسلمات في العلاقات بين الدول، حين قال: «من الخليج العربي إلى اليمن ولبنان والعراق، ندفع جميعاً ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم.

لا يمكن أن يكون دور أي دولة في الإقليم على حساب الأمن والاستقرار والازدهار المشترك. المراجعة مطلوبة وحتمية، وعلى أسس واضحة: احترام السيادة، وحسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين».

هذه الكلمات لا تحمل اتهاماً جديداً، ولا تكشف سراً خفياً، بقدر ما تذكّر بحقيقة باتت واضحة أمام الجميع. فالمبادئ التي أشار إليها ليست مطالب سياسية استثنائية، ولا شروطاً تعجيزية، بل تمثل الحد الأدنى الذي تقوم عليه العلاقات الطبيعية بين الدول.

غير أن التجربة الإقليمية خلال العقود الماضية أثبتت أن هذه المبادئ كانت أولى ضحايا مشروع إقليمي توسعي جعل من التدخل في شؤون الآخرين وسيلة لتعزيز النفوذ وتحقيق المكاسب السياسية والأمنية.

والحقيقة أن الطموح الإيراني الإقليمي لم يعد محل جدل أو اختلاف في وجهات النظر. ربما كان هناك من يشكك في الماضي، وربما وجد البعض مبررات أو تفسيرات مختلفة للسلوك الإيراني في المنطقة، لكن السنوات الأخيرة، وما شهدته المنطقة من أحداث وتحولات، جعلت الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

فمن الخليج العربي إلى العراق ولبنان واليمن، أصبح النفوذ الإيراني واقعاً ملموساً، وأصبحت أدواته وأذرعه أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وأصبح أثره على استقرار الدول العربية وأمنها أمراً لا يمكن إنكاره إلا بتجاهل متعمد للواقع.

ولعل أبرز ما كشفت عنه التطورات الأخيرة هو سقوط الأقنعة عن عدد من الأذرع والقوى المرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة. ففي لبنان، لم يعد ممكناً تجاهل الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب اللبناني نتيجة انخراط حزب الله في صراعات تخدم المصالح الإيرانية أكثر مما تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية، بعدما رفع لعقود شعارات الوطنية والمقاومة.

وفي العراق، تجاوز نفوذ بعض الميليشيات المرتبطة بالحشد الشعبي حدود الداخل العراقي، ليصل إلى استهداف المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وتهديد أمن المنطقة واستقرارها.

أما في اليمن، فقد واصل الحوثيون استخدام التهديد للممرات البحرية الحيوية وأمن الخليج كورقة ضغط ضمن مشروع إقليمي أوسع. اختلفت الساحات وتعددت الأدوات، لكن الولاء كان واحداً، والنتيجة واحدة: شعوب عربية دفعت أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها.

ورغم كل ذلك، يبقى المستغرب أن بعض الأصوات العربية لا تزال تمارس حالة من الإنكار أو التجاهل. فهناك من يرفض الاعتراف بهذه الحقائق رغم وضوحها، وهناك من يدركها جيداً لكنه يفضل الصمت والحياد.

وهناك من يحاول تبريرها بالقول إن تراجع النفوذ الإيراني سيفتح المجال أمام تمدد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. وهي حجة تبدو للوهلة الأولى منطقية، لكنها في حقيقتها تفترض أن العرب عاجزون عن حماية مصالحهم بأنفسهم، وأن المنطقة محكومة دائماً بالاختيار بين مشروع توسعي وآخر.

والواقع أن المعادلة مختلفة تماماً. فالمخرج الحقيقي لا يكمن في استبدال نفوذ بنفوذ، أو مشروع توسعي بآخر، بل في بناء موقف عربي وخليجي موحد يستند إلى قوة الدولة الوطنية واحترام سيادتها وقدرتها على حماية مصالحها.

فكما أن الأطماع الإيرانية ليست قدراً محتوماً، فإن أي أطماع أخرى يمكن مواجهتها عندما تتوحد الإرادة العربية حول مشروع استقرار وتنمية وأمن مشترك.

كما أن مجريات المواجهات الأخيرة أظهرت حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن القوى الدولية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها معالجة جذور المشكلة في المنطقة.

فالولايات المتحدة قادرة على توجيه الضربات العسكرية أو فرض العقوبات أو ممارسة الضغوط السياسية، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء النفوذ الإيراني أو تفكيك أذرعه أو معالجة البيئة التي سمحت لهذا النفوذ بالتمدد.

وهذه مهمة تقع أولاً وأخيراً على عاتق دول المنطقة وشعوبها، وعلى قدرتها في بناء موقف موحد يرفض التدخلات الخارجية أياً كان مصدرها.

لقد وجدت إيران طريقها إلى العديد من الساحات العربية بسبب الانقسامات الداخلية أحياناً، وبسبب المواقف المترددة أو الداعمة أو الصامتة أحياناً أخرى.

ولهذا فإن أي مراجعة حقيقية للمشهد الإقليمي يجب أن تبدأ من الاعتراف بالمشكلة كما هي، لا كما نرغب أن تكون. فالتجاهل لا يغير الحقائق، والإنكار لا يلغي الوقائع، والحياد أمام التحديات الوجودية لا يصنع الاستقرار.

وفي النهاية، فإن الدعوة التي أطلقها أنور قرقاش إلى المراجعة، على أساس احترام السيادة وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ليست موقفاً سياسياً عابراً بقدر ما هي وصفة ضرورية لاستقرار المنطقة.

فهذه المبادئ ليست موجهة ضد دولة بعينها، بل تمثل الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه علاقات طبيعية ومتوازنة بين دول الإقليم.

فالمنطقة لا تحتاج إلى مشاريع نفوذ جديدة، ولا إلى أذرع عابرة للحدود، ولا إلى صراعات تُدار على حساب الشعوب العربية. ما تحتاجه هو دول قوية تحترم سيادتها وسيادة جيرانها، وتؤمن بأن الأمن والاستقرار والازدهار لا يمكن أن يتحقق لأي طرف على حساب الآخرين. فالمشكلة اليوم ليست في غموض المشروع الإيراني، بل في أن الواضح ما زال محل جدل لدى البعض.