بعد حصول الكويت على استقلالها الناجز في 19 يونيو 1961، في عهد حاكمها الحادي عشر الشيخ عبدالله السالم الصباح، رحمه الله، بدأت الحياة البرلمانية بانتخاب مجلس تأسيسي في عام 1962 برئاسة عبداللطيف محمد ثنيان الغانم لإعداد مسودة دستور للبلاد، ثم تمّ انتخاب أول مجلس أمة بالاقتراع الحر المباشر في اوائل عام 1963، ومذاك وحتى حل مجلس الأمة لأول مرة في أغسطس 1976 في عهد الشيخ صباح السالم الصباح، تناوب على رئاسة المجلس كل من عبدالعزيز حمد الصقر، سعود عبدالعزيز العبدالرزاق، أحمد زيد السرحان، وخالد صالح الغنيم.
نخصص هذه المادة لتوثيق سيرة الغنيم الذي كان حتى ذلك الوقت أول نائب منتخب يترأس المجلس لدورتين متتاليتين (من 10 فبراير 1971 وحتى 29 أغسطس 1976)، وشهدت فترة رئاسته الثانية تعطيل أعمال المجلس وتعليق العمل ببعض مواد بالدستور، الذي استمر حتى مارس 1981، وذلك بسبب التصعيد بين الحكومة والمجلس واستغلال بعض النواب للديمقراطية بشكل خاطئ.
يعد خالد صالح الغنيم من رجالات الكويت الأوائل المخضرمين ممن عاصروا زمن ما قبل اكتشاف النفط، حينما كانت الحياة الاجتماعية بسيطة، وقدرات المجتمع متواضعة واقتصاد البلاد يعتمد على صيد اللؤلؤ والتجارة البحرية، وممن عاصروا أيضاً حقبة ما بعد تدفق النفط وتصديره، حينما بدأت البلاد في استخدام مداخيلها من النفط في التنمية والبناء والنهضة العمرانية وتوفير مختلف الخدمات على أرقى المستويات. في كلتا الحقبتين، كانت للغنيم أدوار اقتصادية واجتماعية وسياسية وإنسانية في تاريخ بلاده، وكانت شخصيته وأعماله وسيرته تفرض على الجميع احترامه وتوقيره.
أبصر «خالد صالح غنيم الغنيم» النور في سنة 1916 في حي عائلته بمنطقة القبلة من العاصمة المعروف باسم «فريج الغنيم»، حيث كان جل سكان الحي من المشتغلين بالبحر، ونشأ في كنف أسرته المعروفة بالكرم والعطاء وأعمال البر والإخلاص لولاة الأمر، علماً بأن أسرة الغنيم من ضمن العتوب الذين وفدوا إلى الكويت من الهدار في نجد خلال القرن السابع عشر الميلادي، وسكنوا بالموقع الذي نشأت حوله مدينة الكويت بالقرب من قصر السيف أمام نقعة (حوض صغير للسفن) سميت باسمهم وضمت مراكبهم الشراعية، وذلك طبقاً لما ورد في «منتدى تاريخ الكويت».
لم تكن متطلبات الحياة في الزمن الذي نشأ فيه الغنيم تستدعي سوى معارف بسيطة، لذا التحق الغنيم، شأنه في ذلك شأن مجايليه، بأحد الكتاتيب التقليدية، فتعلم فيها القراءة والكتابة والحساب، وحفظ القرآن الكريم، وظهرت مواهبه تحديداً في علم الحساب والأرقام بصورة لفتت انتباه معلميه. ومن حسن حظه أن أولى مدارس الكويت النظامية وهي «المدرسة المباركية» كانت قد فتحت أبوابها في عام 1911 تحت إدارة المربي الكبير الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، فالتحق بها ودرس فيها لبعض الوقت، وعزز من خلالها ما تعلمه في الكتاب من علوم دينية ودنيوية.
اكتفى الغنيم بذلك القدر من التعليم، وراح يشق طريقه في الحياة متوكلاً على الله، ومستعيناً بتجارب الآخرين من أهله وأقاربه ومعارفه. حيث بدأ نشاطه بادئ ذي بدء، وهو في سن الثامنة عشرة، بالعمل مشرفاً على السفن التي كانت تنقل المياه من شط العرب إلى الكويت، مثل «بوم الجابان» و«بوم الجيرمان» الكبيرين، وكانت مهمته تنحصر في استقبال السفن عند وصولها إلى «النقعة» والإشراف على تفريغ حمولتها من المياه، وبيعها، واستيفاء قيمتها.
ويبدو أن هذه المهنة الروتينية لم تلبِّ طموحاته وتطلعاته، ولم يتعلم منها الكثير، فتركها وراح يعمل على ظهر السفن التجارية المبحرة نحو الهند وموانئ شرق أفريقيا، حيث استفاد كثيراً من عمله هذا مع مرور الزمن، وتعرف على أشياء جديدة، وامتلك خبرات كافية أهلته لأن يكون «نوخذه» يقود السفن. واستمر صاحبنا ممارساً مهنة «النوخذه» إلى أن قرر ترك العمل في البحر نهائياً والاتجاه للعمل في مجال آخر. وكان السبب هو تأثره الشديد بما فعله البحر بأخيه عبدالرحمن الذي قضى في عرض المحيط أثناء عمله على ظهر سفينة مملوكة لشاهين الغانم تحت قيادة النوخذه إبراهيم النصرالله، وذلك جراء عاصفة قوية مفاجئة ضربت السفينة وهي مبحرة وسط بحر العرب.
التحق الغنيم، بعد حادثة أخيه، بالعمل لدى التاجر المعروف الحاج ثنيان الغانم، كموظف يقوم بأعمال مكتبية روتينية محدودة، قبل أن يلفت أنظار الغانم بجده ومثابرته وأمانته وإخلاصه، وهو ما جعل الأخير يعينه مشرفاً ومسؤولاً عن جميع سفنه وأعماله التجارية الممتدة ما بين الكويت والهند وعدن وشرق أفريقيا. وقد أبلى الغنيم بلاء حسناً في ما أوكل إليه، وكان عند حسن ظن رب عمله به، وأسهم كثيراً في نجاح تجارة الغانم.
ومع تدفق النفط في الكويت وتصديره، وبالتالي تغير الأوضاع الاقتصادية جذرياً بدءاً من أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات الميلادية، قرر الغنيم أن يترك العمل عند الحاج ثنيان الغانم ليبدأ تجارته الخاصة، بعد أن تعلم ألف باء المعاملات التجارية وعرف أسرار البيع والشراء والاستيراد والتصدير.
وهكذا، ما إن حلت سنة 1956 إلا وصاحبنا يملك مكتبه التجاري الخاص بوسط مدينة الكويت ويزاول من خلاله تجارة مواد البناء، ولا سيما الأسمنت الذي كان مطلوباً بكثرة في تلك الفترة بسبب أعمال الإعمار والبناء الواسعة التي اجتاحت البلاد، الأمر الذي تحول معه الغنيم إلى واحد من أهم تجار الأسمنت في الكويت، بل صار يلقب بـ«ملك الأسمنت». وهذا بدوره خلق له ثروة كبيرة واسماً ونفوذاً ومكانة اجتماعية واقتصادية، خصوصاً مع قيامه بالإنفاق على أوجه الخير والبر، شكراً وحمداً لله على ما أنعمه المولى عليه.
والحقيقة أن الغنيم، بشهادة كل من عرفه أو عمل معه، لم يكن محسناً ينفق من ماله على المشاريع الخيرية كبناء المساجد ودور العلم والوحدات السكنية فحسب، وإنما كان أيضاً ذا خصال وشمائل رفيعة، شملت قضاء حاجة كل من يطرق بابه، والسعي لحل مشاكل الناس وخلافاتهم، والوفاء لأصدقائه ومعارفه من أيام الغوص وشظف العيش، والتواصل مع كل فئات المجتمع كبيرهم وصغيرهم، وتحمل تكاليف بناء من تهدم منزله لسبب أو لآخر، أو تكاليف علاج مريض عاجز عن تدبير قيمة فاتورة علاجه، وهكذا.
إلى ما سبق، امتد كرمه وإحسانه وبره إلى خارج الكويت، وخاصة في أوقات الشدائد والكوارث التي حلت ببعض الدول العربية. تشهد على ذلك تبرعاته السخية لصالح «أسبوع الجزائر» في عام 1959، ومساهمته المالية في مساعدة المتضررين من زلزال مدينة الشلف الجزائرية سنة 1980، وتبرعاته لنصرة مصر وجيشها إبان العدوان الثلاثي على بورسعيد عام 1956، ومساهمته بالمال في مشروع بناء معهد ناصر للبحوث وعلاج أمراض السكر بالقاهرة سنة 1971، وتبرعه بمبلغ مائة ألف دينار لصالح الشعب العراقي زمن الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات.
وإذا كان الغنيم قد خدم بلده من خلال العمل التجاري وإنشاء الشركات الداعمة للاقتصاد الوطني، فإنه خدمها أيضاً إدارياً وسياسياً. ففي عام 1957 قررت الكويت تعيينه على رأس دائرة الأشغال العامة، فأسهم بخبرته في أعمال مجلس الإنشاء قبل استقلال الكويت، وساعد بني وطنه لجهة توفير القسائم السكنية المناسبة لهم، قبل أن يستقيل من منصبه في عام 1961 مع تحويل دوائر الدولة إلى وزارات. وفي عام 1963 شارك في أول انتخابات لمجلس الأمة، مدفوعاً بحبه لخدمة وطنه وشعبه من تحت قبة البرلمان، ففاز بمقعد وصار نائباً. بعدها شارك وفاز في جميع الانتخابات التالية حتى حل مجلس الأمة في عام 1976. وإبان سنوات عمله نائباً، شغل منصب نائب الرئيس، ورئيس اللجنة الاقتصادية قبل أن ينتخب من قبل زملائه رئيساً للمجلس مرتين متتاليتين كما أسلفنا. وبحكم منصبه رئيساً لمجلس الأمة، ترأس وفوداً برلمانية إلى العديد من الدول الشقيقة والصديقة، وشارك في الكثير من المؤتمرات العربية والإقليمية والدولية ذات الصلة بالعمل البرلماني والقضايا السياسية.
على الصعيد الأسري، تزوج الغنيم مرتين، ورزقه الله من زوجته الأولى بابنة وأربعة أولاد، ومن زوجته الثانية بأربعة أولاد وأربع بنات، فربى أبناءه (عبدالرحمن وسليمان وعبدالغني وصباح وطلال وفهد ومحمد وأحمد ووسمية وريم ومها ومنى ورشا) على أكمل وجه، وحرص على تعليمهم في أرقى المعاهد، فخدموا وطنهم كل في مجاله وصاروا كوالدهم يضرب بهم المثل في الصلاح والبر. ويذكر أن ابنه البكر عبدالرحمن خالد الغنيم (ت: 2022) تولى حقيبة المواصلات ووزارة الدولة للشؤون البلدية ما بين عامي 2007 و2008، وكان قبل ذلك نائباً في مجلس الأمة في الفترة من 1985 إلى 1992.
وبعد وفاة الغنيم في الثلاثين من ديسمبر سنة 1990، أي بعد الغزو العراقي للكويت بأربعة أشهر، في مستشفى مبارك الكبير، إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، واصل أبناؤه ما بدأه والدهم من أعمال الخير والبر، فقاموا بتقديم تبرع بقيمة مليون دينار كويتي لتأسيس «مركز خالد صالح الغنيم الصحي» على أرض مساحتها 6800 متر مربع بمنطقة القادسية. وقد تم وضع حجر الأساس للمشروع في التاسع والعشرين من يونيو 2003، وبدأ التنفيذ في مارس 2004، وافتتحه رسمياً رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح بتاريخ 25 أبريل 2007، علماً بأن هذا الصرح الطبي اشتمل على عيادات عامة للرجال والنساء والأطفال وعيادات خاصة للأسنان ومرض السكر، وقسماً لرعاية الأمومة وآخر لرعاية الطفولة وثالث للتمريض ورابع لصرف الأدوية وخامس للأعمال المختبرية.
من جهة أخرى، أسهم ورثة الفقيد مالياً في تخفيف معاناة المصريين الذين خسروا مساكنهم في زلزال القاهرة الشهير في أكتوبر 1992، كما تبرعوا في عام 1994 بمبلغ خمسين ألف دينار، دعماً للمجهود الحربي الكويتي.
