عندما نغتال هيبة القيم

في مشهد عابر على قنوات التواصل الاجتماعي، توقف عقلي عن استيعاب ذلك المشهد الذي لم يعبر مضيق تفكيري، دون خلق علامة تعجب كبيرة، أشبه بصدام عسكري بين جيش القيم وتيار المهزلة، حيث كان المشهد عبارة عن ما يسمى «الستاند أب كوميدي»، ذلك الفن الذي جاء من الغرب كنوع من أنواع الكوميديا التي تكمل سلسلة فنون المسرح والسينما.

تناول المشهد حكاية شاب يتحدث عن سلوكيات أمه بطريقة هزلية، ويترجم حرصها عليه بأنه سلوك مبالغ فيه، دون أدنى احترام لمكانة الأم، هنا بدأ التساؤل: هل تحول الفضاء الرقمي والمسرحي المعاصر، من مجرد ساحات للترفيه البريء أو طرح المشكلات والظواهر المجتمعية بأسلوب كوميدي، إلى مختبر مفتوح لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، الذي يعد بمثابة العقل المشترك للمجتمع، أم أنه أصبح مسيساً لتحريف الهوية الثقافية؟

أبرز الظواهر التي باتت تدق ناقوس الخطر، هي تحور مادة «الستاند أب كوميدي»، وتفشي ثقافة المقالب الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، والانتقال من عملية نقد المفارقات الاجتماعية العامة، إلى زعزعة احترام وقدسية ووقار القيم المجتمعية، والمتمثلة في الروابط الأسرية وثوابت العقيدة.

وبمجرد التفكير بطريقة مختلفة من قبل المتلقي الواعي والمدرك لخطورة التلاعب بقواعد الحصانة الأخلاقية، أو النظر بعين تقييم بوليسية، يمكننا ملاحظة هذا الانحراف والانجراف مع تيار يسوقنا إلى منطقة غير مأهولة بالأخلاق.

في علم النفس الإدراكي، تمرر الانتهاكات الأخلاقية عبر الكوميديا كحصان طروادة، فيصنف العقل البشري المشهد على أنه منطقة آمنة وغير مهددة، تحت بند الدعابة، ما يسمح للمحتوى المبتذل بالعبور إلى الوعي الباطن، دون تفعيل أدوات المقاومة التي تشكل الجدار الناري للدفاع عن المساس بالقيم.

في المرة الأولى يستقبل المتلقي الموقف الذي يمس وقار الوالدين أو جلال المعتقد بنوع من الاستهجان الداخلي الفطري، وتسمى هذه المرحلة بالصدمة، ومع تكرار الطرح من أكثر من شخص، تتقلص حدة استنكار المشهد تدريجياً في دماغ المشاهد، حيث يصبح مألوفاً إلى حد ما، ثم يتحول الجرم الاجتماعي والأخلاقي إلى مادة مستهلكة عادية، ويزول الحاجز النفسي الذي كان يحمي هيبة ذلك الرمز.

يعيدنا ما سبق إلى عبقرية التوجيه النبوي، الذي حذر من هذه الحالة بدقة متناهية، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب».

وموت القلب هو بلوغ مرحلة البلادة والتخدير الأخلاقي، حيث يفقد الضمير الجمعي قدرته على الاستهجان، وبدلاً من أن يستنكر مشاهدة اغتيال قِيَمه، يصبح قادراً على المشاركة في المشروع وبابتسامة عريضة.

إن هذا التخدير لم يحدث بمحض الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لمعادلة اجتماعية ذات شقين يلتقيان عند ذوق رخيص.. الشق الأول يكمن في سطحية الفكر لدى فئات من المجتمع، أصبحت تضع التسلية والمتعة أساساً وهدفاً وحيداً للحياة، معتقدة أن الوجود الإنساني لم يُخلق إلا للمرح والضحك.. ومن هذا المستنقع يولد الشق الثاني، وهو توجه الفرد الاستغلالي الباحث عن الشهرة بأسهل وأرخص الطرق، مستغلاً هذا الانحدار المعرفي والذوقي، ليلبي حاجة مجتمع سطحي، مقابل اعتلاء منصة النجومية الزائفة.

وعندما يصل المجتمع إلى مرحلة موت القلب والبلادة الانفعالية، لا يقف الانهيار عند حدود الكلمة الجارحة، بل يتعداه ليتجسد في ممارسات سلوكية على أرض الواقع، ترسم ملامح عصر جديد من الجرأة والابتذال.

وإذا كان «الستاند أب كوميدي» يمثل الاغتيال اللفظي لهيبة القيم، فإن ثقافة المقالب المنتشرة عبر المنصات الرقمية، تمثل الاغتيال السلوكي لتلك الهيبة.

هذا التطور ينقل الأزمة من مجرد دعابة منطوقة إلى نموذج سلوكي يتم تصديره مباشرة إلى الفئات العمرية الأكثر تأثراً، وهي فئة الشباب، ليبنى بذلك جيل جديد بلا قيم أو حدود أخلاقية.

إن حماية الرموز الأسرية والعقائدية ليست تزمتاً فكرياً، بل هي خط الدفاع الأخير عن تماسك المجتمع وهويته.. والوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك المجتمع أن الضحك الذي يكلفنا خسارة مهابتنا وقيمنا، هو أسرع الطرق نحو الإفلاس الأخلاقي والحضاري.