في منتصف خمسينيات القرن العشرين امتلأت صالات العرض السينمائي في دمشق بالأفلام الهندية ذات الأغاني المتميزة بالحركة والإيقاعات السريعة المرحة، فشاعت تلك الأغاني بين الناس، ولا سيما أغنيتا «سوكو سوكو» و«تام تام».
كان من بين الذين أعجبوا بهاتين الأغنيتين الملحن السوري الشاب محمد ضياء الدين الهاشمي المولود في 30 نوفمبر 1932، والذي كان وقتذاك قد شق طريقه نحو الإذاعة السورية وتعين بها مطرباً وملحناً.
أعاد ضياء الدين صياغة اللحنين الهنديين، ووضع لهما كلمات عربية خفيفة، وسجلهما بصوته في إذاعة دمشق، فحققا انتشاراً واسعاً لدرجة أن إذاعة دمشق راحت تبثهما مرات عدة كل يوم، ومنها أغنية «مهلك مهلي.. مهلك علينا شوي».
وبعد أن تعرف ضياء الدين على مواطنته الحلبية المطربة نعمت قسومة الشهيرة فنياً باسم ندى، وتزوجها، شكلا ثنائياً فنياً باسم «ضياء وندى»، وراحا يقدمان الدويتو بعد الدويتو، خصوصاً أن الحوارات الغنائية كانت شائعة في هذه الفترة في مصر منذ أن بدأها عبدالوهاب مع راقية إبراهيم، ثم شادية مع كل من كمال الشناوي، وفريد الأطرش، وعبدالحليم حافظ، وكمال حسني، غير أن شهرة ضياء الدين الحقيقية لم تأتِ من غناء الدويتو أو إعادة صياغة الألحان الهندية أو التلحين لعدد من مواطناته ومواطنيه السوريين، وإنما جاءت من انتقاله مع زوجته إلى مصر بعد قيام الوحدة السورية المصرية سنة 1958.
ففي مصر بدأ ضياء مرحلة جديدة من مسيرته الفنية، ركز فيها جهوده الغنائية على الغناء للأطفال متأثراً بما فعله الموسيقار محمد فوزي قبله، حينما غنى فوزي ولحن أشهر أغنيتين للأطفال من كلمات حسين السيد، وهما «ذهب الليل وطلع الفجر»، و«ماما زمانها جاية»، غير أن ضياء حاول أن يميز نفسه عن فوزي فغنى للأطفال فوق سن الخامسة وليس للصغار في عمر السنة والسنتين، كما أنه قدم أغاني الأطفال التربوية والتوعوية بدلاً من أغاني الهدهدة، وذلك من خلال محاورتهم كونه أباً أو صديقاً أو مدرساً، كما فعل في أغنيات مثل: «البلونة» و«اضحك» و«أ ب ت ث» و«الثعلب فات» و«إش إش، للعصفورة حنبني عش».
إلى ذلك، اعتنى ضياء بالتزامن بالأغنية الشعبية، فنجح في مزج الفولوكلور الشامي بالمصري، وتقديم نوعية جديدة من الغناء، كما قام بتلحين عدد من الأغاني لنجوم الغناء المصري والعربي من أمثال شريفة فاضل وصباح ومحمد عبدالمطلب وسعاد محمد وشادية وطروب، والغريب في هذا السياق أنه لحّن أيضاً أغاني أداها ممثلون لا تصلح أصواتهم للغناء، فمثلاً لحّن أغنية «جدو جدو يا أحسن جد»، التي أداها حسين رياض بمشاركة مجموعة من الصغار، وسجلها للإذاعة.
وفي مصر أتيحت الفرصة لضياء كي يغزو السينما، فظهر مثلاً في عام 1960 في فيلم «يا حبيبي» للمخرج حسين فوزي من بطولة رشدي أباظة وليلى طاهر ومحمود المليجي وحسن فايق ونجوى فؤاد، كما شاركت ألحانه في أفلام عدة منها: لقاء هناك (1976)، السلم الخلفي (1973)، العاطفة والجسد (1972)، أنا ومراتي والجو (1969)، العمياء (1969)، حارة السقايين (1966).
والجدير بالذكر أن ضياء لحن في عام 1972 أغنية «اضحك» وأداها مع الفنانة المصرية المعتزلة نسرين، حينما كانت الأخيرة في سن السادسة، وتم تسجيل الأغنية مصورة في ستوديوهات التلفزيون المصري. وقتها كانت زوجته ندى قد توفيت، فانتظر عشر سنوات حتى كبرت نسرين ونضجت لكي يتزوجها وهو في عمر الخمسين، الأمر الذي أثار تساؤلات كثيرة، علماً بأنهما أنجبا طفلة أطلقا عليها اسم رنا.
ونختتم بالإشارة إلى أن لضياء، المتوفى بالقاهرة في 7 أكتوبر 1978، ابناً يحمل اسمه محمد ضياء الدين من زوجته السورية ندى، وهو ملحن مصري تزوج من المطربة آمال ماهر، وقبل ذلك من شقيقة المطربة أصالة (أماني)، وفي الحالتين حدث الانفصال.
