فُطِر الإنسان على الحاجة إلى الراحة وفي ذلك يتباين البشر، فهناك من يؤجل بهجته لحين تحقيق إنجازات ليجد مسوغاً لفرحه، وفي ذلك خلل في فهم فكرة الراحة نفسها، وهناك من لا يخلط بين الإنجاز وفكرة الاحتفال نفسها.
أعظم الأفكار تأتي في الإجازات عندما يكون الدماغ مسترخياً، لسبب بسيط وهو أن عقلنا حينما يتوقف عن إطفاء الحرائق اليومية ويبدأ في تأمل مسيرته وإنجازاته بهدوء وروّية، يصبح أكثر قدرة على التفكير بوضوح، فالضغوطات تجعل الإنسان ينغمس في التفاصيل اليومية وينسى تأمل الصورة الكلية ووجهته.
وقد اكتشف العلماء أن الحلول لمشكلاتنا المستعصية قد تهبط علينا فجأة ونحن ننعم بأوقات الراحة وليس بالضرورة في ذروة انهماكنا بالتفكير بحلول ناجعة، ذلك أن في الدماغ البشري مناطق تسمى (Default Mode Network DMN) وهذه المناطق اكتشف العلماء أنها تكون ساكنة حينما يحاول الفرد البحث عن حل لمشكلة تواجهه، ولكن ما إن نمنح أنفسنا فترة من الراحة أو الاستجمام فإنها تتحرك فتحرك معها الفكرة أو الحل من حيث لا ندري.
وكم من فرد جاءته فكرة خلاقة وهو يستحم تحت رذاذ «الشاور» المريح أو جالساً يتأمل خلف مقود السيارة أو في أثناء ممارسته الرياضة أو النزهة، وهذا ما حدث مع مشاهير على مرّ التاريخ منهم والت ديزني صاحب أشهر مدينة ترفيهية في العالم الذي جاءته فكرة الشخصية الكرتونية، ميكي ماوس، وهو جالس يتأمل في القطار، فرسم ملامحها بقلمه. ويُروى أن الكاتبة أجاثا كريستي كانت تخطط لحبكة رواياتها في أثناء استرخائها في المنزل.
وقد شاهدت مقطع فيديو لشاعر شهير يقول: «عندما يأتيني إلهام الشعر أقف على قارعة الطريق فوراً لأكتب». ولذا نجد أن في هواتفنا خدمة تسجيل الأفكار صوتياً لنستخدمها حينما نكون في موضع يصعب معه اقتناص الفكرة بكتابتها. كما قال ابن القيم: «العلم صيد والكتابة قيده».
مشكلة الانشغال الدائم أنه قد يتحول إلى نوع من الإدمان، فشعور الإنسان بالمتعة في عمله لا يعني أنه محصن ضد الإرهاق أو الاحتراق الداخلي، تماماً كما يحدث للاعب الذي يفرط في الجهد في لعبة يعشقها، فأجساد البشر، بل حتى عقولهم، تحتاج إلى التوقف بين حين وآخر، مثل الآلات بل هي أشد حاجة.
وفي الأندية الرياضية يتعلم روادها مبدأ مهماً وهو أن العضلات لا تنمو أثناء التمرين، بل أثناء الراحة التي تليه، ولذلك لا ينصح بتمرين العضلات يومياً، لأنها تحتاج إلى وقت تستعيد فيه عافيتها، وكذلك الدماغ البشري.
كما أن أخطر القرارات قد تُتخذ أحياناً في لحظات الإرهاق مثل مدير مرهق يصبح أكثر عدوانية وعصبية في ردود أفعاله ويقل إبداعه ويزيد اندفاعه، ولهذا تحرص شركات عدة كبرى على إجبار الموظف والمسؤول على أخذ رصيد محدد من الإجازات حتى لا يرهق نفسه، وقد شهدت حالة أصر فيها الموظف على الحضور، فأصدرت الإدارة أمراً بعدم منحه صلاحية الدخول إلى حاسوبه ولا حتى التوقيع بالحضور.
ونحرص في بعض مجالس الإدارة في الشركات الكبرى أحياناً على مناقشة الخطة الاستراتيجية المهمة أو القرارات المفصلية بعيداً عن أجواء المكاتب وضغط العمل، فنعقد الاجتماعات في منتجع أو «شاليه» ذي إطلالة جميلة، لأن صفاء الذهن قد يصنع قراراً أفضل من ساعات العمل الطويلة داخل الغرف المغلقة.. الراحة هي عيد مصغر نستعيد به اتزاننا، ونشحذ به هممنا، قبل العودة إلى صخب الحياة.