أهم درسين إعلامياً وسياسياً يمكن الخروج بهما من هذه الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد النظام الإيراني والعدوان الإيراني الغاشم على دولة الإمارات ودول الخليج والأردن، هذان الدرسان هما، الدرس الأول:
أن الصراعات بين الدول لم تعد تقتصر على المسيرات والصواريخ الباليستية، أو على شبكات تجسسية فقط، وإنما دخلت السرديات والروايات لتعمل «كرصاص ناعم»، يخترق الوعي المجتمعي فكرياً، ويُعيد تشكيل الإدراك المعرفي لدى مواطني الدول.
أما الدرس الثاني: أن وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف تفرعاتها، لم تعد بريئة من التأثير في اتجاه الصراعات والحروب، من خلال تضليل المعلومات، وتشويه الحقائق. صحيح أن لها جوانب إيجابية كثيرة، ولكنها تتضاءل مع مرور الوقت، بفعل توظيفها سياسياً، لذا من المهم تأطير عملها لتكون أداة لخدمة الوطن من خلال تأهيل أبنائه.
وبما أن دولة الإمارات واجهت العديد من الحملات، في إطار حرب التشويه، وبشكل مستمر، بحيث لا تكاد تنتهي حملة إلا وتبدأ حملة جديدة، وفي كل مرة تثبت أنها دولة عصية على حسادها ومنتقديها، وأن سورها الفكري والأمني، بفضل وعي مواطنيها ومقيميها، لا يمكن تجاوزه.
لكن «الظاهرة» الجديدة بفعل هذه الحرب، وهي الأخطر، كونها تتسلل بسهولة، ودون وضوح لدى الجماهير، هي استعراض سرديات بطريقة القصص وروي الحكايات، الأسلوب الذي يستهوي الناس العاديين، ويرسخ في أذهانهم، حتى ولو كانت تلك السردية لا أساس لها من الواقع، أو لا تحمل معلومة.
أكاديمية الإعلام الجديد، التابعة لحكومة دولة الإمارات، استوعبت مخاطر هذه النوعية من أشكال الحروب الحديثة، التي بدأت تتشكل من خلال إفساح بعض وسائل الإعلام العربية المساحة لسرد رواية النظام الإيراني، تحت بند الحياد الإعلامي.
وأيقنت الأكاديمية التي صقلت مهارات العديد من الكفاءات في مجال صناعة المحتوى، ليكونوا قادرين على التأثير من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
تأهيل صناع المحتوى السياسي مهم، ليس من باب أنهم الجبهة الوطنية لصد أي هجوم فكري على قصة الإمارات، وإنما يكفي أن يعرضوا هذه السردية الإماراتية لإلهام الإنسانية في كافة أنحاء العالم.
فهذه القصة، هي التي أغضبت النظام الإيراني، وحاول كسرها، من خلال تركيزه على شن العدوان عليها، بصورة لفتت استغراب الرأي العام العالمي.
خلق صناع محتوى مختصين في المحتوى السياسي، ليس ترفاً إعلامياً بوقتنا الحاضر. وينبغي عدم تجاهل هذا الجانب، بحجة أن الموضوع حساس، وقد يجلب بعض المشاكل لمن يتناوله، فهو أصبح ضرورة وحاجة.
ولكي تكون الحجة قوية، على صانع هذا المحتوى الابتعاد عن الأيديولوجية، مع الالتزام بأدوات العمل التي يتم التدريب عليها في أكاديمية الإعلام الجديد، مع أهمية العمل بجد ومهنية للوصول إلى تفسيرات نزيهة ودقيقة لسردية الإمارات القائمة على الإنجاز.
حروب المستقبل، والتي رأينا نموذجاً منها في هذه الحرب، هي: خليط بين الأسلحة التدميرية، وبين المعلومات المضللة التي تنتشر بين الناس مثل الفيروسات، وهذا يحتاج إلى جبهة فكرية وطنية قوية، لبناء والحفاظ على مكتسباتنا الوطنية.