محمد عبدالوهاب وعمارة الجندول

تنبهت قلة من نجوم الفن في مصر إلى أن الزمن لا يرحم، وأن الاشتغال في الفن ليس كافياً كمصدر ثابت للدخل بسبب طبيعته الموسمية، فاستثمروا ما جمعوه من كفاحهم وكدهم في مشاريع تدر عليهم الأرباح المجزية وتنقذهم من عثرات الزمن.

وعلى خلاف ما يجري اليوم من توجه بعض الفنانين والفنانات إلى الاستثمار في المطاعم والكافيهات والصالات الرياضية وشركات الإنتاج الدرامي والموسيقي وخيوط الموضة وأدوات التجميل، كانت وجهة استثمارات فناني الزمن الجميل منحصرة في القطاع العقاري، وتحديداً في بناء أو شراء العمارات الكبيرة في القاهرة لغرض تأجيرها كمحلات تجارية أو شقق سكنية.

كان الفنان الراحل أنور وجدي في مقدمة من استثمر ماله في بناء عمارة في نمرة 4 شارع مظلوم بمنطقة باب اللوق، حيث بدأ في تشييد المبنى المكون من 10 أدوار و81 شقة قبل عام من وفاته أي في سنة 1954. وقد حرص وجدي وقتها أن يكون الدور الأخير مكوناً من فيلات أنيقة مستقلة عن بعضها البعض مع مساحات تصلح لأن تكون حدائق صغيرة. وقد تمّ بيعها بثمن بخس لصندوق تأمين ضباط الشرطة في عام 1966.

تلاه الموسيقار فريد الأطرش الذي شيد في عام 1955 على أرض بلغت مساحتها ألف متر مربع عمارة من 12 طابق بتكلفة بلغت 150 ألف جنيه، طبقاً لما ورد في تحقيق لمجلة الكواكب سنة 1954، وأطلق عليها اسم عمارة «أول همسة»، وكانت تتميز بجمال تصميمها، وإطلالتها على كورنيش النيل في حي الزمالك الراقي (آنذاك)، لذا كانت مقصداً لكل من ينشد الهدوء والجمال والسكينة. وقد خصص الأطرش لنفسه دورها العلوي المكون من شقة واسعة بعشرين غرفة. ومن حسن حظ الأطرش أنه باع العمارة بأكملها (عدا الشقة الخاصة به) قبل أن تطالها هوجة التأميمات الاشتراكية التي بدأت في عام 1962. وعلى المنوال نفسه، استثمرت الفنانة زوزو ماضي مالها في تشييد عمارة سكنية مكونة من شقق واسعة تصلح لسكن العائلات ذات العدد الكبير في أول شارع الهرم في خمسينيات القرن العشرين، بتكلفة بلغت 25 ألف جنيه. كما قامت الفنانة كوكا ببناء عمارة في الجيزة ذات تصميم رائع، ومتميزة بواجهة تسمح بوصول نسمات النيل إلى كل شققها. وكانت المنتجة آسيا داغر قد سبقتهما إلى تشييد عمارة فخمة في موقع ممتاز بضاحية مصر الجديدة مكونة من 9 طوابق، وخصصت الطابق الأول منها لسكنها.

يقودنا ما سبق إلى الحديث عن عمارة «الجندول»، وهي عمارة بناها الموسيقار محمد عبدالوهاب في عام 1952 على قطعة أرض اشتراها خلال الحرب العالمية الثانية بالتقسيط في شارع فؤاد الأول بالقاهرة (شارع 26 يوليو حالياً). وقد حرص عبدالوهاب أن تتميز عمارته المكونة من 4 أدوار تجارية و10 أدوار سكنية و250 غرفة وصالة وأربعة مصاعد، والمسماة على اسم واحدة من أشهر أغنياته، بتصميم معماري أنيق من عمل المهندس الدكتور نور الدين نصار، فيما تولى أعمال الكهرباء والميكانيكا المهندسان حسن عبدالفتاح وأحمد حسن علي.

وطبقاً لمجلة «آخر ساعة» المصرية في أحد أعدادها لسنة 1955، فإن عبدالوهاب عهد بالتنفيذ لشركة «سامي إسماعيل ويحيى قدري للهندسة والمقاولات»، وحرص على أن تكون حوائط عمارته الخارجية من الزجاج، وأن تكون بداخله ستائر معدنية تتحكم في الضوء، وأن تكون الأرضيات من البازلت، والحمامات ذات جدران ملونة ومجهزة بالمياه الساخنة وأجهزة التبريد والتدفئة. كما حرص أن يكون دورها الأخير مصمماً بطريقة تناسب نشاطه الفني لجهة عمل البروفات وتسجيل أغانيه واستقبال ضيوفه من الفنانين المتعاونين معه. أما عن التكاليف، فقد بلغت نحو مئة ألف جنيه، اقترضها عبدالوهاب من بنك مصر وسددها على أقساط. وهكذا كانت عمارة الجندول من أغلى وأروع عمارات وسط البلد ويقال إن موسيقار الأجيال أثرى كثيراً من وراء هذا الاستثمار العقاري، قبل أن يبيع «الجندول» لمستثمر سعودي بمبلغ 258 ألف جنيه.