الكتابة.. مهنة الوعي

حين وصف أدونيس الكتابة بأنها مهنة العمر وفطرة ثانية، وقاربها بوصفها حواراً مع الكينونة وانفتاحاً على معنى الوجود، كان يضعها في مقام يتجاوز مهارة التعبير إلى معنى أرفع يتجلى في مسؤولية الوعي.

فالكتابة، في جوهرها النبيل، طريقة في رؤية العالم، وتأمل في تجربة الإنسان، وسعي دائم إلى منح الحياة معنى أوضح، والكاتب الحقيقي يكتب لأنه يشعر بأن الكلمة أمانة، وأن الفكرة الصادقة قادرة على تهذيب الوجدان، وإيقاظ الحس، وفتح أفق أرحب لإدراك ما حولنا، ومن هنا تصبح الكتابة عملاً أخلاقياً وفكرياً يمنح الإنسان قدرة أوسع على فهم ذاته..!

وتتضاعف قيمة الكاتب اليوم مع التدفق السريع للأخبار والآراء والصور والمواقف، ووسط هذا التسارع، يحتاج القارئ إلى صوت يُفرق بين المعرفة والانفعال، وبين الفكرة الناضجة والرأي العابر، وهنا تظهر رسالة الكاتب في أجمل صورها، وهي أن يعيد إلى الكلمة وقارها، وإلى الفكرة اتزانها، وإلى القارئ ثقته بالعقل.

والكاتب الواعي يرى بثقافته ما وراء السطور، ويمنح الناس قراءة واضحة وناضجة، قادرة على إضاءة الطريق بلغة مفهومة، وحجة مطمئنة، وحين يكتب بهذا الوعي يمنح القارئ فرصة للتريث، ويعيد للفكرة حقها في التأمل قبل أن تتحول إلى موقف..!

ومقام الكاتب لا يصنعه حُسن البيان وحده، بل تصنعه بصيرة واعية وموقف أمين، يمنح العبارة قيمتها بما تحمله من وعي وأثر، والفكرة المؤثرة تزداد قيمة حين تتصل بالأخلاق، فالكاتب النبيل يكتب بعقل مفتوح وقلب يقظ، يَعي أن الكلمة قد تبني وقد تهدم، وقد تجمع وقد تفرق.

ولذلك يتعامل معها بمهابة وصدق، إنه يكتب بقلب حاضر وعقل متزن، فيصوغ خطاباً يليق بالقارئ ويحترم عقله، وبهذا المعنى يصبح الكاتب مربّياً للذوق العام، وحارساً للمعنى، وصاحب أثر يبقى في النفوس بعد انتهاء القراءة، فأثر الكاتب يقاس بما يضيفه إلى وعي قارئه من اتزان، وإلى وجدانه من يقظة، وإلى موقفه من ثبات.

وتبلغ هذه المسؤولية مرتبة أسمى حين يكون الكاتب وطنياً، فالكاتب الوطني حاضر في قضايا بلده، قريب من آمال مجتمعه، مؤمن بأن الوطن ذاكرة وكرامة ومصير، والكتابة عن الوطن عنده فعل انتماء، يقوم على المعرفة وحسن القصد، إذ يدافع عن وطنه بالكلمة الواعية، يشرح منجزه ويحفظ صورته ويساند ثوابته، ويواجه ما يستهدف وعي الناس وثقتهم، ودفاعه قائم على وضوح الحجة واستقامة الغاية، والإيمان بأن الكلمة المسؤولة رافد من روافد قوة الوطن.

وفي زمن التحديات والتوترات والأيديولوجيات، يحتاج الوطن إلى كُتاب يعرفون قيمة المسؤولية وحساسية المرحلة، فالتحديات الإقليمية لا تتحرك دائماً في صورة أحداث سياسية مباشرة، بل قد تظهر في خطاب مشحون لزرع القلق في وعي المجتمع.

والأيديولوجيات حين تتجاوز حدود التفكير المُتزن تتحول إلى ضغط على المعنى والهوية، فتحتاج إلى كاتب يملك هدوء النظر ونبل العبارة، فالأفكار المتطرفة تواجهها الحجة الهادئة، والحملات المغرضة يرد عليها الوعي الواثق.

والارتباك العام يبدده خطاب صادق، وهنا تتجلى مهمة الكاتب الوطني في قدرته على تحويل التحديات إلى مناسبة لاستحضار الذاكرة وبناء الثقة، فهو يكتب من وعي بتاريخ الوطن، ومن إدراك لما صنعته الأجيال من معنى وتجربة، فيمنح القارئ شعوراً أعمق بالاستمرار والثبات، وحين تتزاحم القراءات السريعة، يصبح الكاتب أميناً على الصورة الكبرى.

فيضع الحدث في سياقه، ويربط الحاضر بجذوره، ويفتح للناس أفقاً يقرأون من خلاله مستقبلهم بثقة، وبهذا المعنى تغدو الكتابة الوطنية عملاً نبيلاً في تقوية الانتماء، وترسيخ اليقين وصون العلاقة بين الإنسان ووطنه.

إن الكاتب حين يسمو برسالته يجعل من الكلمة فعل وعي ومسؤولية، ويمنح المعنى قوة تحفظه من السطحية والعبث، فمهمته أن يرفع مستوى السؤال، ويصون شرف اللغة، ويجعل الكتابة مشاركة رفيعة في تهذيب الوجدان العام، وحين يكون وطنياً، تغدو كلمته امتداداً للوفاء.

ويصبح إنتاجه الفكري شهادة واعية على زمنه، تحفظ للأجيال صورة وطن يعتز بقيمه ويواصل مسيرته بثقة ووعي، وتبقى الكلمة الوطنية بهذا المعنى وعداً بالوفاء، وذاكرة تحفظ للوطن حضوره وهيبته، وتُبقي أفقه مفتوحاً في وجدان الأجيال القادمة.