كيف نبني نظاماً ضريبياً يخدم المجتمع والاقتصاد؟

يرتكز نجاح أي منظومة ضريبية حديثة على عمق الشراكة بينها وبين المجتمع، وهي شراكة لا تتأسس فقط على القوانين والتشريعات، وإنما على مبدأ الثقة المتبادلة واليقين بأن النظام الضريبي هو أداة فاعلة لخدمة الإنسان وتحسين جودة الحياة. في دولة الإمارات، نؤمن بأن الضريبة تمثل قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد معاً، ولذلك عملت الهيئة الاتحادية للضرائب على تحويل المفهوم التقليدي للضريبة من مجرد التزام قانوني ومالي إلى خدمة مجتمعية استباقية تسهم مباشرة في تعزيز جودة حياة أفراد المجتمع ودعم القطاعات الحيوية، تماشياً مع رؤية قيادتنا الرشيدة التي تضع سعادة الإنسان في مقدمة أولوياتها.

لقد حرصنا في الهيئة على ترجمة مفهوم «الضريبة كخدمة» من خلال مبادرات نوعية تلامس احتياجات المجتمع بشكل مباشر، وعلى رأسها نظام استرداد ضريبة القيمة المضافة عن بناء مساكن المواطنين الجديدة. هذا النظام الذي يعكس البعد الاجتماعي للسياسة الضريبية، يسهم في تخفيف الأعباء المالية عن الأسر المواطنة ودعم استقرارها السكني.

ومن خلال تبسيط الإجراءات الرقمية نجحت الهيئة في معالجة طلبات الاسترداد بكفاءة عالية، حيث تم رد مبالغ إجمالية بلغت نحو 661.16 مليون درهم للمواطنين خلال عام 2025 وحده، استفاد منها 4,821 مواطناً ومواطنة أتموا بناء مساكنهم الجديدة، مما يعزز من دور المنظومة الضريبية كمساهم أصيل في التنمية الاجتماعية وتوفير مقومات العيش الكريم، حيث تتحول الضرائب المحصلة إلى استثمارات في البنية التحتية والخدمات التي تعود بالنفع على كل فرد في المجتمع.

وفي سياق متصل، يمتد الأثر المجتمعي والاقتصادي للنظام الضريبي ليشمل دعم القطاع السياحي، الذي يعد ركيزة أساسية في اقتصادنا الوطني. وتعتبر المنظومة الرقمية لرد ضريبة القيمة المضافة للسياح نموذجاً عالمياً في السهولة والكفاءة.

حيث تضمن تجربة استثنائية للزوار تعزز من تنافسية الدولة كوجهة سياحية رائدة. وقد شهد عام 2025 نمواً ملحوظاً في هذا الجانب، حيث تم التعامل مع أكثر من 4.19 ملايين طلب لرد الضريبة للسياح، بزيادة قدرها 16.7% مقارنة بالعام السابق، مما يعكس حيوية النشاط السياحي وكفاءة الأنظمة الرقمية في إدارة هذه الطلبات بدقة متناهية، وهو ما ينعكس إيجاباً على الدورة الاقتصادية الشاملة ويدعم قطاع التجزئة والخدمات.

إن بناء جسور الثقة يتطلب شفافية مطلقة وتواصلاً مستمراً مع كافة فئات المجتمع. ولذلك، اعتمدت الهيئة استراتيجية اتصال شاملة استهدفت نشر الثقافة الضريبية وتحويل الامتثال إلى سلوك طوعي نابع من الوعي بالمسؤولية الوطنية.

وقد تجسد هذا التوجه في بث أكثر من 65.7 مليون رسالة توعوية عبر مختلف القنوات الذكية، منها 60 مليون رسالة نصية و5.7 ملايين رسالة بريد إلكتروني، بالإضافة إلى تنفيذ 13,849 زيارة ميدانية توعوية استهدفت دعم دافعي الضرائب في مواقع عملهم.

إن هذا التواصل المعرفي المكثف يهدف إلى التذكير الإجرائي وتمكين المتعاملين بالمعلومات الدقيقة التي تجنبهم الوقوع في الأخطاء، مما يرسخ صورة الهيئة كمرجع معرفي موثوق وشريك داعم لقطاع الأعمال.

لقد أثبتت التجربة أن الوضوح في الإجراءات هو الطريق الأقصر لرفع نسب الرضا العام والامتثال الطوعي. ومن هنا، كان حرص الهيئة على تعزيز الشفافية من خلال «باقة موفق» المخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي توفر أدوات وتسهيلات إجرائية تضمن لهذه الشركات النمو في بيئة تنظيمية محفزة.

إن تحفيز الامتثال الطوعي يعكس إيمان مجتمع الأعمال بعدالة النظام الضريبي وكفاءته، وهو ما يظهر جلياً في الأرقام التي تعكس ارتفاع نسب تقديم الإقرارات الضريبية في مواعيدها المحددة، وزيادة الإقبال على القنوات الرقمية للتواصل مع الهيئة، حيث تم التعامل مع آلاف الاستفسارات عبر مركز الاتصال والبريد الإلكتروني بمستويات جودة عالمية، وانضباط مهني عالٍ.

إننا في الهيئة الاتحادية للضرائب ننظر إلى المستقبل بعين التفاؤل، مدركين أن استدامة النمو الاقتصادي مرتبطة بشكل وثيق بمتانة النسيج المجتمعي. إن تطوير الخدمات الاستباقية، مثل التوسع في الربط الإلكتروني مع الجهات الحكومية لتبسيط رحلة المتعامل، يهدف في جوهره إلى توفير الوقت والجهد على أفراد المجتمع وقطاع الأعمال.

إن التزامنا بتطبيق أعلى معايير الحوكمة والنزاهة في إدارة المنظومة الضريبية هو العهد الذي نقطعه لمواصلة بناء نظام ضريبي آمن وموثوق، يوازن بين حق الدولة في الموارد وبين تطلعات المجتمع في الازدهار. إن نجاحنا في تحويل الضريبة إلى أداة لخدمة المجتمع والاقتصاد معاً هو ثمرة الرؤية الثاقبة لقيادتنا، والوعي العميق لشعبنا والمقيمين على أرضنا، لنستمر معاً في مسيرة البناء والعطاء من أجل مستقبل أكثر إشراقاً لدولة الإمارات.