العالم اليوم يربي الإنسان على السرعة، على الاستهلاك، على العيش فوق السطح، حتى أصبح كثيرون يعرفون كيف يستخدمون كل شيء، لكنهم يجهلون كيف يفهمون أنفسهم..
ولهذا أرى أن سؤال التراث في الإمارات لم يعد سؤالاً ثقافياً تقليدياً، بل أصبح سؤالاً يتعلق ببقاء التوازن الداخلي للإنسان، وسط هذا الضجيج الكوني الهائل.
فالقضية هنا أعمق من حفظ مبنى قديم، أو عرض قطعة أثرية خلف الزجاج، بل تتعلق بحماية الإحساس الداخلي بالانتماء، ذلك الإحساس الذي يمنح الإنسان ثباته النفسي، وقدرته على مواجهة العالم، دون أن يفقد ملامحه.
أما دولة الإمارات، فتمضي بحمد الله، في ظل رؤى وتوجيهات القيادة الحكيمة، في اتجاه مختلف تماماً، تبني أكثر مدن العالم تطوراً، وتفتح أبواب الفضاء والذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة.
وفي الوقت ذاته، تعود بالطفل إلى البحر، وإلى الحرفة، وإلى القصيدة وإلى المجلس، وكأنها تقول له بهدوء: المستقبل يحتاج جذوراً قوية، بقدر حاجته إلى أجنحة.
أما هنا لدينا، فالهوية تتحرك داخل الحياة اليومية نفسها.. طريقة السلام، حضور القهوة، مفردات اللهجة، احترام الكبير، شكل المجالس، الحرف اليدوية، الأغاني البحرية، كلها عناصر ما زالت تعيش داخل المجتمع، كجزء من سلوكه الطبيعي، وهذا ما يجعل الإنسان الإماراتي يشعر بأن تراثه يخصه هو شخصياً، ويعيش داخله كل يوم.
ومع أن التكنولوجيا اختصرت المسافات، لكنها وسّعت المسافة بين الإنسان ونفسه.. ولهذا يبدو تمسك الإمارات بالتراث أقرب إلى مشروع لإعادة التوازن النفسي والاجتماعي، لأن الإنسان حين يعرف جذوره جيداً، يصبح أكثر قدرة على فهم موقعه في العالم، وأكثر قدرة على مقاومة الذوبان داخل هذا التدفق العالمي المتشابه.
لكن في الإمارات، تم تحويل المتحف إلى تجربة حياة كاملة، فيدخل الطفل المتحف فيجد الصوت، والصورة، والرائحة، والحكاية، والحركة، وكأنه يدخل إلى الزمن نفسه.. لذلك، فإن المتحف الإماراتي يعيد خلق الإنسان الذي عاش تلك المرحلة، وأن يحفظ روحها.
ولهذا يبدو المشهد الإماراتي مختلفاً بكل تفاصيله، مركبة فضائية تنطلق إلى المريخ، وإلى جوارها طفل يتعلم السدو، ومتحف يستخدم الذكاء الاصطناعي لإحياء الحكايات الشعبية، ومدينة رقمية تحتفظ في قلبها بالمجلس ورائحة العود وصوت البحر.
هذه القدرة على الجمع بين الامتداد الحضاري والامتداد الإنساني، هي ما يمنح الإمارات كل هذا الثبات.. فالدول الكبرى تُقاس أحياناً بحجم اقتصادها، أو قوتها العسكرية، أو تقدمها التقني، لكن هناك نوعاً آخر من القوة أكثر عمقاً واستمراراً.. قوة المجتمع الذي يعرف نفسه جيداً، ويحمل ذاكرته بثقة، ويتحرك نحو المستقبل، دون أن يفقد صوته الداخلي.