استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب

من ضمن سلسلة من الاستراتيجيات التي أعلنتها إدارة ترامب منذ عودتها، أعلن البيت الأبيض استراتيجية مكافحة الإرهاب في مايو الجاري. وتأتي هذه الاستراتيجية بعد أن نشرت الإدارة استراتيجيتها للأمن الوطني 2025، والدفاع الوطني 2026.

المقصود من هذه الاستراتيجيات توضيح توجه الإدارة فيما يخص قضايا الأمن الوطني والدفاع، وهناك جهات عدة مثل وزارتي الخارجية والحرب، والأجهزة الاستخباراتية والأمنية تهتم بشكل مباشر بهذه المواضيع، فلذا تم وضع استراتيجية موحدة تعزز من توحيد الجهود نحو غايات محددة.

في التمهيد لاستراتيجية مكافحة الإرهاب، الذي نشر منذ أيام، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن الإنجازات الذي قام بها في مجال مكافحة الإرهاب، قائلاً إنه بعد عودته إلى البيت الأبيض انتهى عصر الوهن والضعف في مواجهة الإرهاب، وإذا كنت تنوي قتل أو إيذاء أي أمريكي سنجدك وسنقتلك.

المفترض أن هذه الاستراتيجيات تعكس رؤية الإدارة التي تتربع على هرم السلطة، لكن لا يمكن أن تكون هذه الاستراتيجيات مسيسة، لأن الاستراتيجيات يجب أن تخدم قضايا الأمن الوطني، وقضايا الأمن الوطني قضايا غير حزبية، وكما أعلنت الاستراتيجية، فإن عملية مكافحة الإرهاب ستكون لا سياسية، ومبنية على تقديرات واقعية للتهديدات.

وقد هاجمت الوثيقة إدارة بايدن السابقة لتسييسها قضية مكافحة الإرهاب، واتهمت الاستراتيجية استخدام أفراد في أعلى مستويات الحكومة الأمريكية سلطاتهم الواسعة لاستهداف أفراد سياسياً، خدمة لمصالح من يفضلونهم، أو رغبة في إبقائهم في السلطة، أو للمساعدة في كسب الانتخابات.

الاستراتيجية، رغم زعمها الحياد السياسي، إلا أنها أوضحت تحيزاً أيديولوجياً لا تخطئه العين، فقد حددت الوثيقة ثلاثة أنواع من الإرهابيين، التي تشكل تحدياً أمنياً كبيراً، النوع الأول من الإرهابيين هم الإرهابيون المهربون للمخدرات والعصابات العابرة للحدود، الثاني مخلفات الإرهاب الإسلاموي، والجماعات اليسارية المتطرفة مثل الفوضويين والمناهضين للفاشية.

هناك عنف من اليساريين بلا شك، لكن خبراء الإرهاب يرون عكس ذلك، إذ يرون أن العنف من المنظمات اليمينية أشد ضراوة. يقول كولن كلارك، الخبير في الإرهاب المحلي والدولي، إن ما تذكره الوثيقة ينم عن تحيز واضح للجماعات اليمينية، التي ترتكب معظم أعمال الإرهاب في الولايات المتحدة.

وبالمقارنة فإن الإرهاب الذي تقوم به الجماعات اليسارية أقل بكثير من الجماعات اليمينية، كما أن الحديث عن جماعة وإغفال أخرى أكثر خطورة يدل على تسييس مكافحة الإرهاب بدلاً من استخدام بيانات حقيقية للوصول إلى نتائج موضوعية.

وفي هذا المضمار، تتحدث الوثيقة عن النواحي العملية لاستراتيجية مكافحة الإرهاب، التي تتلخص في خمس نواحي مهمة: الأولى تطور العلاقة بين الدول وكارتيلات المخدرات التي هي مصدر تهديد للولايات المتحدة.

كما أن هناك تحالفاً بين الإسلامويين وأقصى اليسار فيما يعرف بتحالف الخضر والحمر. ويشير التقرير إلى علاقة ناشئة بين مختلف الجماعات الإرهابية مثل الحوثي وجماعة الشباب الصومالية.

وتشير المذكرة إلى استخدام الجماعات الإرهابية للطائرات المسيّرة، وتتهم الوثيقة كلاً من إيران والصين وروسيا بتقديم هذه الوسائل إلى الإرهابيين.

وتتطرق الاستراتيجية إلى الشرق الأوسط، إذ تقول الوثيقة إن الولايات المتحدة واجهت الإرهاب هناك منذ الستينيات من القرن الماضي إلى أن وصلنا إلى أحداث سبتمبر الإرهابية، وأهم مصدر للإرهاب في المنطقة هي إيران، التي تمتلك برنامجاً نووياً وصواريخ، وتدعم الإرهاب في المنطقة، وأن العمليات التي قامت بها الولايات المتحدة ضد إيران ستستمر إلى أن تنتهي بوصفها مصدراً للتهديد.

كما عرّجت الوثيقة على الإخوان، وذكرت أن كل الحركات المتطرفة تستمد أيديولوجيتها من هذا التنظيم، مثل القاعدة وداعش وحماس، وأن هذه الأفكار تسعى إلى إحياء الخلافة وقتل أو استعباد غير المسلمين.

واستعرضت الوثيقة الأحوال في أوروبا وأفريقيا وآسيا، وتغلغل التنظيمات الإرهابية، وبعدها تحدثت عن قضية تؤرق الولايات المتحدة، بل والعالم، وهي الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.

وأشارت الاستراتيجية إلى محاولات بعض التنظيمات الحصول على أسلحة شاملة وتكنولوجيات مدمرة. لا شك أنها وثيقة مهمة، لكن تسييس قضية مكافحة الإرهاب يضر بهذه القضية الدولية.