أوروبا التي تحن إلى أيام المستشارة

تأتي نتيجة انتخابات المحليات التي جرت في بريطانيا لتعطي إشارة سياسية مربكة، وتجعل الذين يتابعون ما يجري في بلاد الإنجليز خصوصاً، وفي أوروبا في العموم، يضربون أخماساً في أسداس وهم يحاولون استيعاب ما يجري.

صحيح أن استطلاعات الرأي قبل الانتخابات كانت تظهر تقدم حزب الإصلاح اليميني المتشدد، ولكن كل الذين كانوا يترقبون يوم الاقتراع كانوا يقولون إن التجربة تقول دائماً أن حصيلة استطلاعات الرأي شيء، وأن ما يأتي بعدها في الاقتراع نفسه شيء آخر.

هكذا قيل، ولكن جاءت الانتخابات لتكشف تقدم حزب الإصلاح كما كانت الاستطلاعات قد أظهرت تقدمه من قبل، وهو ليس متقدماً وحسب، ولكنه متقدم على حزب العمال مرة، ثم على حزب المحافظين مرة ثانية، وقد كان هذان الحزبان يوصفان باستمرار بأنهما الحزبان الأعرق في الحياة السياسية البريطانية على مدى قرن من الزمان.

عاش العالم على مدى ما يقرب من القرن يتابع تبادل السلطة بين العمال والمحافظين، ولم ينافسهما سوى حزب الديموقراطيين الأحرار، ولكنه لم يكن يستطيع انتزاع الحكم منهما طوال الأمد الزمني المنظور أمامنا، ولم يكن الحزبان الأعرق يتوقعان أن يخرج لهما من تحت الأرض حزب الإصلاح فينغص عليهما حياتهما، وكذلك حزب الخُضر الذي ظل يتقدم في استطلاعات الرأي مثل حزب الإصلاح ولكن بوتيرة أقل.

هناك بالطبع مَنْ يقول إن انتخابات المحليات تختلف عن انتخابات البرلمان، وإن حسابات الناخب أمام صندوق الاقتراع عندما يقترع في المحليات، لا تكون كحساباته إذا ذهب يقترع في انتخابات البرلمان التي على أساسها تتشكل الحكومة الجديدة وتغادر الحكومة القائمة مقاعدها في الحكم.

هذه وجهة نظر لها من الوجاهة السياسية ما يكفي، ولكن في مقابلها وجهة نظر أخرى تقول إن نتيجة المحليات مؤشر في النهاية، وإنها ستكون ماثلة أمام الناخب إذا وجد نفسه مدعواً إلى الاقتراع في انتخابات البرلمان، وإن حسابات الناخب المختلفة في الحالتين ليست مبرراً كافياً لتجاهل ما كشف عنه هذا الاقتراع الذي هز بلاد الإنجليز سياسياً ولا يزال يهزها.

ولا تزال الهجرة هي القضية الأبرز في قائمة أولويات حزب الإصلاح الذي يتطلع إلى كل مهاجر إلى بريطانيا باعتباره عبئاً على البلاد لا عوناً لها.. وهو في هذه النظرة يظل امتداداً للنظرة التي يتبناها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تجاه المهاجرين رغم إنه جده الأكبر مهاجر ألماني إلى الولايات المتحدة، ورغم إن الولايات المتحدة نفسها قامت على أكتاف مهاجرين من أوروبا بالأساس، ولكن هذه تبقى قصة أخرى ممتلئة بالتفاصيل.

ولو أن حزب الإصلاح فاز في انتخابات البرلمان المقبلة ثم وصل إلى مقاعد الحكم، فسوف تنشأ مشكلة كبيرة في 10 داونينغ ستريت حيث مقر الحكومة في عاصمة الضباب، ولكن هذه مشكلة مؤجلة على كل حال إلى وقتها، لأن حزب الإصلاح إذا فاز فلن يفوز بالأغلبية التي تيسر له تشكيل الحكومة بمفرده، وسوف يفوز في الغالب بأكثرية تجعله مضطراً للتحالف مع حزب آخر أو أحزاب أخرى ليحكم، وعندها لن يوافقه الحزب الآخر أو الأحزاب الأخرى المتحالفة معه على تطبيق أفكاره اليمينية المتشددة تجاه المهاجرين.

وقد كان الأمل أن تؤدي هزيمة فيكتور أوربان في المجر لنوع من العدوى السياسية التي تصل بريطانيا، فالرجل كان قد تلقى هزيمة سياسية قاسية قبل أسابيع في بودابست، وقد غادر الحكم بعد 16 سنة قضاها في السلطة، وكان قد اشتهر بيمينيته المتشددة، وكانت القارة الأوروبية قد أحست بشيء من الارتياح لهزيمته وهزيمة حزبه في الاقتراع.

ولا تزال أوروبا في حاجة إلى ساسة من نوعية المستشارة أنجيلا ميركل التي قضت في دار المستشارية مثل ما قضى أوربان في رئاسة الحكومة، ولكن ما أبعد المسافة بينهما، فالمستشارة ميركل انحازت طول الوقت إلى المهاجرين لبلادها، وكانت تراهم إضافة للاقتصاد الألماني لا خصماً منه، وكانت تصرف إعانة لغير العاملين منهم، وقد وصل امتنانهم لها إلى حد أن بعضهم أطلق اسمها على كثيرين من المواليد اعترافاً بفضلها عليهم.

تقف أوروبا بين هزيمة حزب أوربان في المجر، وتقدم حزب الإصلاح في بريطانيا، ولسان حالها يقول إن الأوروبيين أحوج ما يكونون إلى ساسة في عواصم القارة يقتدون بالمستشارة ويقتفون أثرها من بعدها على طول الطريق.