في زمن أصبحت فيه الوثيقة امتداداً للسيادة، لم تعد الدول تحمي حقوقها بما تملكه من قوة فقط، بل بما تبنيه من أدلة وسجلات ومؤسسات قادرة على تحويل العدوان إلى مساءلة، والضرر إلى حق، والانتهاك إلى ملف قانوني لا يسقط بالتجاهل أو التقادم.
فالمعارك الحديثة لا تُحسم في الميدان وحده، بل في ساحات القانون، ومنابر الدبلوماسية، وذاكرة المؤسسات، حيث تصبح الحقيقة الموثقة جزءاً من قوة الدولة وهيبتها ومصداقيتها. من هنا تكتسب الخطوة الإماراتية بتشكيل اللجنة الوطنية لتوثيق أعمال العدوان والجرائم الدولية والأضرار المترتبة عليها دلالتها العميقة، باعتبارها قراراً سيادياً يؤسس لمسار قانوني طويل المدى، يحوّل واقعة العدوان الإرهابي الإيراني إلى ملف وطني مكتمل الأركان.
إن صدور القرار رقم 4 لسنة 2026 عن سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، بتشكيل اللجنة برئاسة معالي النائب العام، يضع القضية في إطارها الصحيح: إطار الدولة والقانون والمؤسسات. فإسناد رئاسة اللجنة إلى معالي النائب العام رسالة قانونية واضحة تؤكد أن المسألة لا تقف عند حدود التنديد السياسي أو التوصيف الإعلامي، وإنما تدخل في نطاق التوثيق المنهجي، والتحقق الفني، وبناء الأدلة وفق معايير يمكن الدفاع عنها أمام الجهات الوطنية والدولية. هنا تنتقل دولة الإمارات من لغة الانفعال إلى لغة الإثبات، ومن تسجيل الموقف إلى تثبيت الحق، ومن توصيف الضرر إلى تأسيس مسار مساءلة منضبط وموثوق.
وتكمن أهمية هذه اللجنة في أنها لا تتعامل مع العدوان كواقعة أمنية منفردة، بل كمنظومة آثار يجب رصدها وتحليلها وحفظها ضمن سجل وطني متكامل. فالعدوان لا يخلّف أضراراً عسكرية أو مادية فقط، بل قد يمس الإنسان، والمنشآت، والاقتصاد، والخدمات، والثقة العامة، وحياة المواطنين والمقيمين والزوار.
لذلك فإن التوثيق الجاد لا يكتمل ببيان أو تقرير موجز، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين القانون، والطب الشرعي، والهندسة، والاقتصاد، والتحليل الفني، وإدارة البيانات، وحفظ الأدلة، وضمان سلامة سلسلة الحيازة القانونية لها.
وكلما كان التوثيق دقيقاً ومحكماً ازدادت قدرة الدولة على تحويل الوقائع إلى حجج قانونية، والحجج إلى مطالبات، والمطالبات إلى حقوق ثابتة لا يمكن إنكارها.
والأهم أن السجل الوطني الذي تؤسس له اللجنة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره أرشيفاً للماضي، بل باعتباره أداة قوة للمستقبل.
فالدول التي توثق الأضرار وفق منهجيات معتمدة لا تحفظ ذاكرتها فقط، بل تبني رصيداً قانونياً ودبلوماسياً يمكن استثماره في مسارات التعويض، والمساءلة، وضمانات عدم التكرار، وتحصين الموقف الوطني أمام المنظمات الدولية والهيئات القضائية وآليات العدالة العابرة للحدود. إن الأرقام الدقيقة، والتقارير الفنية، والإفادات الموثقة، والبيانات الطبية والهندسية والاقتصادية، ليست مجرد تفاصيل إجرائية؛ إنها عناصر في بناء «ذاكرة قانونية للدولة»، وركائز في حماية الرواية الوطنية من التشكيك أو التسييس أو التلاعب.
ومن زاوية استراتيجية أوسع، تقدم دولة الإمارات بهذا القرار نموذجاً لدولة تتعامل مع التهديدات الصلبة بمنطق مؤسسي رصين.
فهي لا تفصل بين حماية السيادة واحترام القانون، ولا ترى في القوة والقانون مسارين متعارضين، بل تعتبرهما ركيزتين متكاملتين في منظومة الدفاع الوطني. فالقوة تحمي الأرض والإنسان، والقانون يحمي الحق والرواية والذاكرة. ولذلك تبدو اللجنة الوطنية امتداداً لنهج إماراتي ثابت في إدارة الأزمات عبر المؤسسات، وترسيخ حكم القانون، واعتماد الأدوات القانونية والدبلوماسية المسؤولة، بعيداً عن الانفعال أو التصعيد غير المنضبط.
كما أن لهذا القرار بعداً دولياً بالغ الأهمية؛ إذ إن امتلاك ملف موثق ومحكم يمنح الدولة ثقلاً أكبر عند مخاطبة المجتمع الدولي، ويعزز قدرتها على الدفاع عن حقوقها في المحافل متعددة الأطراف، ويجعل خطابها قائماً على الدليل لا على الادعاء، وعلى الوقائع لا على الانطباعات.
وفي عالم تتشابك فيه الحروب مع حملات التضليل، تصبح الوثيقة القانونية خط الدفاع الأول عن الحقيقة، ويصبح السجل الوطني أداة لحماية الذاكرة من المحو، والسيادة من الابتزاز، والحقوق من الضياع.
ولا تقلّ الرسالة الداخلية أهمية عن الرسالة الخارجية، فتشكيل اللجنة يقول للمواطن والمقيم والزائر إن حقوقهم ليست هامشاً في حسابات الأزمة، بل جزء أصيل من مسؤولية الدولة والتزامها الأخلاقي والقانوني.
كما يوجه رسالة للمؤسسات بأن إدارة الأزمات لا تبدأ بعد انتهاء الحدث، بل تبدأ من لحظة وقوعه عبر بروتوكولات دقيقة للتوثيق، وحماية الأدلة، وحصر الأضرار، وتوحيد قواعد البيانات، وتعزيز جاهزية المؤسسات الوطنية للتعامل مع أي اعتداء أو تهديد وفق أفضل المعايير.
ومن هنا، فإن نجاح اللجنة لن يُقاس فقط بحجم ما تجمعه من وثائق، بل بقدرتها على تحويل هذا العمل الفني والقانوني إلى رافعة وطنية أوسع: تطوير بروتوكولات التوثيق أثناء الأزمات، تعزيز حماية المنشآت الحيوية، بناء قواعد بيانات مشتركة بين الجهات المعنية، توحيد منهجيات حصر الأضرار، والاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية بما يخدم الموقف السيادي للدولة. فالقضية ليست مجرد توثيق لما حدث، بل بناء قدرة مؤسسية دائمة تجعل الدولة أكثر جاهزية وصلابة في مواجهة ما قد يحدث.
اللجنة الوطنية لتوثيق العدوان والجرائم الدولية تمثل لحظة فارقة في تحويل العدوان على الوطن إلى حق موثق، وتحويل الضرر إلى دليل، وتحويل الذاكرة إلى أداة مساءلة.
وفي عالم اليوم تتزايد فيه معارك السردية والقانون، لا يكفي أن تكون الدولة صاحبة حق؛ بل يجب أن تمتلك وثيقة الحق، وسجل الحق، ومؤسسات قادرة على الدفاع عن هذا الحق بثقة وهدوء وصلابة. وهذا ما تؤسس له دولة الإمارات، عدالة سيادية رصينة، تحفظ الحقيقة من الضياع، وتصون الحق من الإنكار.