مسارات متقاطعة

كان الصباح لا يزال باكراً، والبرد في لندن يسبقك إلى أطرافك قبل أن تنتبه له، مضيت إلى محطة الأندرغراوند أراقب أنفاسي المتصاعدة مع الهواء البارد وأنا أستعجل الوصول إلى الرصيف، كنت أعرف رحلتي جيداً، تبديل خط واحد في محطة غلوستر رود ثم متابعة الطريق نحو وجهتي المعتادة، رحلة حفظت تفاصيلها حتى لم أعد أفكر فيها، جلست وفتحت هاتفي على الأخبار، تلك التي تبدأ بنظرة خاطفة ثم تمتد أكثر مما نظن، ولم أنتبه إلا بعد عدة محطات وأنا في اتجاه لا يقود إلى حيث أردت.

نزلت عند أول محطة ووقفت أراجع المسار، أمام تلك الخارطة التي تبدو لأول مرة كأنها متاهة، خطوط متشابكة وألوان ومسارات لا تنتهي، ثم تكتشف بعد قليل أن هذا التعقيد ليس فوضى، بل نظام شديد الدقة، وأن كثرة الخطوط تمنح خيارات أوسع لكل عابر وفق وجهته في تلك اللحظة.

أعدت النظر، بدّلت القطار، ثم واصلت الطريق، تأخرت قليلاً وتكلفت أكثر مما توقعت، لكن الوصول بقي ممكناً ما دام الانتباه جاء قبل الذهاب أبعد في الاتجاه الخطأ.

وربما لأن تلك القطارات لا تتحرك وحدها، بل تحمل معها حشوداً من العابرين كل يوم، بدا لي المشهد أوسع من مجرد مسارات ومحطات.

في الطريق وجوه ترافقك، تمضي معك عدة محطات ثم تغادر بهدوء، لكلٍ وجهته التي تناسب لحظته، وهناك من تسير معه في الاتجاه نفسه بينما تختلف غايتكما تماماً، فالتقاطع لا يعني التوافق، والاختلاف لا يعني الخصومة، وبعض الوجوه التي تفترق اليوم قد تعود فتلتقي مرة أخرى، وقد لا تلتقي أبداً.

تلك الخارطة المعقدة ذكرتني بالحياة نفسها، باتجاهاتها التي تبدو واضحة حتى يتغير شيء ما، فنكتشف أن ما كان مناسباً بالأمس لم يعد كذلك اليوم. وربما أكثر ما تمنحه تلك الخرائط أنها تترك دائماً فرصة لإعادة النظر قبل أن تصبح الأمور أكثر تعقيداً.

كذلك العالم اليوم خارج تلك الخرائط؛ لم يعد بالوضوح الذي اعتدناه سابقاً. التعقيد نفسه أصبح أكثر غموضاً، والخطوط أشد تقلباً وأسرع تبدلاً، وبعض المواقف لا تمنحك متسعاً للوقوف الطويل، بل تحتاج قراءة سريعة، وقراراً محسوباً، وقدرة على تخيل مسار جديد لم يكن موجوداً من قبل.

بقيت أفكر وأنا أغادر المحطة، أن تبديل المسارات لا يعني دائماً أننا ضللنا الطريق، تماماً كما أن الاستمرار فيه لا يعني بالضرورة أننا ما زلنا في الاتجاه الصحيح.