في لحظات الاختبار الكبرى لا تُقاس قيمة الإنسان بما يشعر به، بل بكيفية إدراكه لما يحدث حوله، هناك من يرى الواقع كما هو، بوضوحه وتفاصيله، فيبني قراراته على ما يثبت ويُقاس، وهناك من ينزلق إلى عالم آخر، تصنعه العاطفة، وتغذّيه الأوهام، حتى يغدو الوهم عنده حقيقة لا تقبل النقاش.
العقل بطبيعته يميل إلى التحقق: يسأل، يبحث، يقارن، ويعيد التقييم، أما العاطفة، حين تنفلت من ضوابطها، فتميل إلى الاصطفاف الأعمى، وإلى الانجراف خلف الشعارات، لا الحقائق، وهنا تحديداً يبدأ الخلل في ميزان الإدراك.
في مجتمعات وفّرت لأبنائها فرص التعليم، والرعاية الصحية، والاستقرار، ومساحات واسعة للنمو والعمل، يفترض أن يكون الانتماء نتيجة طبيعية لهذا الواقع الملموس، فالإنسان بطبعه ينتمي لمن يحفظ كرامته، ويوفّر له سبل الحياة الكريمة، لكن، في حالات نادرة، نرى مفارقة يصعب تفسيرها بالعقل وحده: أفراد يعيشون في واقع مستقر، لكن إدراكهم ينفصل عنه، فيبحثون عن ولاءات خارج سياقهم الطبيعي، ويعيدون تشكيل قناعاتهم بناء على سرديات عاطفية لا تمتّ لواقعهم بصلة.
هذه المفارقة ليست مجرد موقف عابر، بل نتيجة تراكمات ذهنية تُغذّيها مشاعر غير منضبطة، وروايات تُقدَّم على أنها «حقائق»، بينما هي في جوهرها تأويلات منحازة، ومع الوقت تتكوّن لدى البعض قناعة راسخة، لكنها قائمة على انتقاء معلومات يخدم شعوره، لا على فهم شامل للواقع.
علم النفس يفسّر هذا السلوك بما يُعرف بالانحياز التأكيدي، حيث يبحث الإنسان عمّا يوافق قناعته المسبقة، ويتجاهل ما يناقضها، لكن الأخطر من ذلك هو حين تتحوّل هذه القناعة إلى بوصلة سلوك، تُعيد توجيه الولاء، وتُربك معايير الانتماء، فتغدو القرارات انعكاساً لعاطفة مضخّمة، لا لعقل مُحكِم.
وعندما تُختبر هذه القناعات على أرض الواقع تتكشف الفجوة بين ما كان يُعتقد، وما هو كائن فعلاً، فالشعارات التي بدت يوماً مصدر إلهام قد لا تجد لها ترجمة عملية، والجهات التي رُسمت في الذهن كونها ملاذاً مثالياً، قد لا تكون كذلك حين تُختبر في الواقع، هنا فقط يبدأ الإدراك في إعادة ترتيب نفسه، ولكن بعد فوات الأوان أحياناً.
الوعي لا يعني أن نُلغِي العاطفة، بل أن نُخضعها للتمحيص، أن نُدرّب أنفسنا على السؤال قبل التصديق، وعلى الفهم قبل الانحياز، أن ندرك أن الحقيقة لا تُقاس بمدى توافقها مع مشاعرنا، بل بمدى ثباتها أمام الاختبار. في عالم تتداخل فيه الروايات، وتتسارع فيه التأثيرات، تصبح مسؤولية الفرد أكبر في بناء وعيه، ليس كل ما يُقال يستحق أن يُصدّق، وليس كل ما يُشعرنا بالراحة يعكس حقيقة، بين الواقع والوهم خيط دقيق، لا يراه إلا من اختار أن يُبصر بعقله، لا أن يكتفي بما تمليه عليه عاطفته.
بصمة أخيرة:
حين يتقدّم الشعور على الحقيقة يضيع الاتجاه.. ولو كان الطريق واضحاً.