لسنا رسالة في بريد الآخرين

في كل مرة تضيق فيها الدوائر على طهران، وتشتد عليها الضغوط، تبحث عن نافذة تصريف لتخفيف الاحتقان الداخلي، وإعادة إنتاج سردية المواجهة التي تتقن العزف عليها منذ عقود. وحين تضيق الخيارات، تتجه البوصلة، على نحو يكاد يكون نمطياً، نحو دول الخليج العربي، وإلى دولة الإمارات على وجه الخصوص، كأنها تريد أن تقول لشعبها إن المعركة لا تزال مفتوحة، وإن خصومها أقرب مما يتصورون.

ليست المسألة رد فعل عفوي على حدث طارئ، ولا هي وليدة لحظة عابرة، ولكنها سلوك متكرر، يكشف عن عقل ضيق ومتحجر، يرى في تصدير الأزمات وسيلة للبقاء، وفي إثارة التوترات الإقليمية أداة لإعادة ترتيب أوراقه الداخلية.

فكلما اشتدت القبضة على طهران، أو ضاق هامش المناورة أمامها، ارتفع منسوب التصعيد الإعلامي والسياسي والعسكري، وتكاثرت الرسائل المبطنة والمباشرة التي تستهدف استقرار المنطقة.

في مبررات الهجمات الإيرانية الأخيرة على دولة الإمارات، أتى بيان وزارة الخارجية الإيرانية هزيلاً وفارغاً من أي مضمون أو منطق.

وجاء رد وزارة الخارجية الإماراتية ليفند هذا البيان الهزيل، ويؤكد رفض الإمارات القاطع لأي مزاعم أو ادعاءات تمس سيادتها أو أمنها الوطني أو استقلال قرارها.

فقد تجاهل البيان الإيراني السفن الحربية والمدمرات الأمريكية التي تملأ البحر، وتعبر المضيق ذهاباً وإياباً على بعد كيلومترات من حدوده، واستخدم علاقات دولة الإمارات وشراكاتها الدولية والدفاعية ذريعة للتهديد والتدخل والتحريض.

هنا، تتجلى حقيقة الموقف الإيراني المرتبك. فبدلاً من قراءة التحولات، أو مراجعة السياسات التي أوصلت الأمور إلى هذا الحد بعقل، تختار طهران الطريق الأسهل؛ طريق تصعيد الخطاب، ورفع سقف التهديد، والبحث عن أهداف قريبة لإرسال الرسائل.

وهنا أيضاً، تظهر الإمارات في الخطاب الإيراني، ليس لأنها الحلقة الأضعف، وإنما لأنها النموذج الأبرز الذي يناقض المشروع الإيراني الذي على وشك الانهيار في جوهره.

الإمارات، بما تمثله من تجربة تنموية، وانفتاح اقتصادي، وتسامح ثقافي، تقف على الضفة الأخرى تماماً من الصورة التي تحاول طهران تسويقها. فهي دولة بنت مكانتها على الاستقرار، وجعلت من التنمية خياراً استراتيجياً، ومن الشراكة الدولية ركيزة لسياساتها. وهذا التباين، في حد ذاته، يشكل تحدياً للفكرة التي قامت عليها ركائز الخطاب الإيراني.

ولهذا، ليس مستغرباً أن تتحول الإمارات، في الخطاب الإيراني، إلى هدف دائم كلما احتدمت الأزمات. فالهجوم عليها، أو التلويح باستهدافها، ليس إلا محاولة للتغطية على إخفاقات داخلية، أو لصرف الأنظار عن ضغوط خارجية. إنها لعبة قديمة، تقوم على خلق عدو خارجي لإعادة توحيد الصف الداخلي، ولو على حساب استقرار المنطقة بأكملها.

لكن ما يبدو لافتاً، أن هذه الاستراتيجية لم تعد تحقق النتائج التي كانت تحققها في السابق. فالعالم اليوم أكثر وعياً بطبيعة التحديات، وأكثر حساسية تجاه أمن الممرات البحرية، وأقل تسامحاً مع محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة.

كما أن دول المنطقة، وفي مقدمتها الإمارات، لم تعد تتعامل مع هذه التهديدات بردود فعل آنية، وإنما ضمن رؤية استراتيجية تقوم على تعزيز القدرات، وتوسيع الشراكات، وترسيخ مكانة الدولة كفاعل مسؤول في النظام الدولي.

دولة الإمارات، في هذا المشهد، لا تقف في موقع المتلقي معدوم الخيارات كما يتصور النظام الإيراني المحاصر من الداخل والخارج، وإنما في موقع الفاعل الذي يدرك حجم التحديات وعددها، ويعمل على مواجهتها بأدوات متعددة، تجمع بين القوة الناعمة والصلبة، وبين الدبلوماسية والحزم. فالإمارات دولة لا تبحث عن المواجهة، كما أنها لا تقبل أن تكون ساحة لتصفية الحسابات، ولا أن تُستخدَم رسالة في بريد الآخرين.

فما يجعل الإمارات رقماً صعباً في كل المعادلات، هو نجاحها المستمر في بناء نموذج مختلف، يقول إن الاستقرار ممكن، وإن التنمية خيار، وإن المستقبل يُبنى على العمل والإنتاج والانفتاح، لا على الأزمات التي يفتعلها البعض ليبرر هجومه على جيرانه، ويفشل مرة في إثر مرة.

سوف تستمر طهران في محاولاتها لتصدير أزماتها، وستعود في كل مرة إلى الأسطوانة ذاتها. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن المنطقة تتغير، وأن قواعد اللعبة لم تعد كما كانت. ودولة الإمارات، بثباتها ورؤيتها، ليست مجرد طرف في هذه المعادلة، ولكنها أحد صُنّاعها.