قرار دولة الإمارات بالانسحاب من منظمة أوبك وتحالف أوبك +، والذي دخل حيز التنفيذ في الأول من مايو الجاري أثار الكثير من التساؤلات حول تداعيات هذه الخطوة السيادية على الدول التي تعتمد في وارداتها من الطاقة على الإمارات، ولاسيما الدول الآسيوية التي يذهب إليها أكثر من 90% من صادرات النفط الإماراتية.
فطبقاً لبيانات عام 2024 تصدرت اليابان قائمة المستوردين الآسيويين للنفط الإماراتي بواردات تجاوزت 790 ألف برميل يومياً، تلتها الصين بمتوسط يزيد على 600 ألف برميل يومياً، ثم الهند بمتوسط يزيد على 360 ألف برميل يومياً، وكل من تايلاند وكوريا الجنوبية اللتين استوردت كل منهما في المتوسط نحو 250 ألف برميل يومياً.
والمعروف أن دولة الإمارات انضمت إلى منظمة أوبك في عام 1967، أي بعد سبع سنوات من تأسيس المنظمة، ومذاك لعبت دوراً فاعلاً مع بقية الأعضاء من موقعها كأحد كبار منتجي الطاقة وكصاحبة احتياطات ضخمة تقدر بنحو 120 مليار برميل مؤكد من النفط الخام.
كما أنها انضمت في نوفمبر 2016 إلى تحالف أوبك + الذي تأسس من 23 دولة بهدف خفض إنتاج البترول سعياً وراء تحسين أسعاره وإعادة التوازن إلى السوق، فكان لها دور محوري كمنتج رئيسي وموثوق في تحقيق الهدف.
والحقيقة أن قرار دولة الإمارات لم يكن موجهاً ضد أحد، وكان قراراً استراتيجياً محضاً أملته طموحاتها الإنتاجية غير المتوافقة مع قيود أوبك، ورؤيتها الاقتصادية طويلة الأمد، وظروف قطاعها النفطي المتنامي، ومصالحها الوطنية.
إذ تطلب العلاج أن تكون لدى الدولة المرونة الكافية لجهة الإنتاج والتصدير والتوسع في استثمارات الطاقة، ولم يكن هذا متاحاً لها في ظل قيود أوبك الشديدة، وبالتالي كان الانسحاب ضرورياً كي تصبح الدولة حرة في تحديد إنتاجها ووجهة صادراتها وأسعار البيع، وبما تتحدد معه مكانتها في المشهد العالمي للطاقة.
ويمكن تلخيص النتائج المترتبة على خروج الإمارات من قيود أوبك وأوبك + في أربع نقاط:
أولاً: ستتمكن الإمارات من تعظيم استفادتها من قدراتها الإنتاجية بضخ المزيد من النفط في الأسواق العالمية، وهو ما سيضع الدول الآسيوية المستهلكة أمام وفرة في الإمدادات، ويخلق أمامها خيارات أوسع لجهة الحصول على الطاقة بأسعار تنافسية.
ثانياً: إن وفرة المعروض الإماراتي ستسهم في انخفاض الأسعار واستقراراها عند حد معين، وهذا سيخدم اقتصادات الدول الآسيوية ذات الاعتماد الكبير على الخام المستورد، إذ يقلل من فاتورة مدفوعاتها ويخفف من معدلات التضخم وضغوطاته.
ثالثاً: سوف تتاح الفرصة أمام دولة الإمارات الدخول في صفقات نفطية ثنائية طويلة ومباشرة مع كبار المستهلكين الآسيويين كاليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية، الأمر الذي يحقق لهذه الدول أمن الطاقة.
رابعاً: تستطيع الدول الآسيوية المستوردة للنفط الإماراتي الحصول على شحناتها مباشرة من ميناء الفجيرة على بحر العرب، أي دون مرورها بمضيق هرمز، وبالتالي انتفاء المخاوف من احتمال تعرضها للتعطيل أو القرصنة.
من ناحية أخرى، تناول بعض المراقبين والمحللين القرار الإماراتي من زاوية تداعياته النقدية، قائلين إنه إذا كانت عضوية منظمة أوبك قد أسست لنظام العقود النفطية المقومة بالدولار الأمريكي وإعادة تدوير فوائض الحسابات والتجارة مع المستهلكين بالدولار، ومنع الأعضاء من استخدام عملات تسوية بديلة، فإن خروج الإمارات من عضوية أوبك بعد ستة عقود متواصلة يعني زوال هذا العائق، وإمكانية تسوية معاملاتها بعملات أخرى.
غير أن مثل هذه التوقعات تبدو، من وجهة نظرنا، مبكرة ومتسرعة لأسباب عدة أهمها هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي وتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في آليات التحويلات المالية العالمية، وعدم تمتع العملات الأخرى حتى الآن بما تتمتع به العملة الأمريكية الخضراء من ثقة في دوائر المال العالمية وقبول كوني واسع.
نقول هذا على الرغم من وجود ثمة حقائق وتطورات تساعد الإمارات على تبني فكرة تسوية معاملاتها النفطية بعملات بديلة عن الدولار الأمريكي.
من هذه الحقائق أن شركة أدنوك النفطية الإماراتية بدأت منذ عام 2020 في إدراج عقود خام مربان الآجلة في بورصة انتركونتيننتال آيس فيوتشرز، وهو ما أدى إلى نشوء معيار نفطي إقليمي مستقل عن خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، ومنها انضمام الإمارات في يناير عام 2024 إلى مجموعة بريكس، وبالتالي حصولها على إمكانية تسوية معاملاتها التجارية مع الدول الأعضاء المؤسسة كالهند والصين وروسيا بعملات هذه الدول.
هذا ناهيك عن أمر مهم آخر هو أن الإمارات أضحت شريكاً مؤسساً في مشروع (mBridge) وهو منصة عملات رقمية متعددة البنوك المركزية تعمل تحت إشراف بنك التسويات الدولية، وتتيح التسوية الفورية السريعة والآمنة عبر الحدود بين البنوك المركزية في الصين وهونغ كونغ وتايلاند والإمارات.
وهكذا، فإن كون الإمارات لم تعد ملزمة بنظام الحصص، يمكن لمصافي النفط الصينية أن تتفاوض على عقود باليوان بكميات كبيرة وعلى نطاق واسع، ليس كاستثناء لتسعير الدولار وإنما كبنية تسعيرية موازية، خصوصاً وأن نفط مربان يمثل حصة كبيرة من الخام المستورد للمصافي الصينية. ويمكن للهند واليابان وكوريا الجنوبية، وحتى إندونيسيا أن تفعل الشيء نفسه.