كان من المنتظر أن يكون الذكاء الاصطناعي بوابة للحقيقة، إلا أننا استيقظنا من الحلم على مفارقة مختلفة، فكلما زادت سرعة تدفق المعلومات أصبحت النجاة باليقين أكثر صعوبة، واكتشفنا أننا اليوم لا نعيش عصر الانفتاح فحسب، بل نعيش زمن الأوهام التي باتت تهدد وعينا الذي هو أغلى ما نملك.
قديماً كان القلم يكتسب هيبته من صدق صاحبه ورصانة فكره، أما اليوم فقد تغيرت أدوات المعركة، واقتحمت الماديات والذكاء الاصطناعي هذا المحراب، ليتحول القلم في يد البعض إلى أداة لتشويه الحقائق بدلاً من كشفها، فلم تعد الكلمة الصادقة مهمة بقدر الانتشار والترويج والكسب، سواء بعدد المشاهدات أو علامات الإعجاب.
ولعل أخطر ما في هذه الحرب هي تلك الوجوه التي استباحت شاشات هواتفنا، وجوه امتهنت التأثير حرفة دون رسالة، نراهم يطلون علينا بابتسامات مرسومة بعناية، يبيعوننا الأخبار بلا مصدر.
والسلع التي قد لا تملك من الجودة إلا بريق إعلاناتها، هؤلاء المؤثرون أصبحوا أقلاماً بشرية تلقن عقولنا وتوهمنا بحاجتنا لسلع لا تنفعنا، أو يوهموننا بحياة زائفة لا يشبهنا فيها شيء، ولا تقترب من فطرتنا، ويقنعوننا بأن السعادة تكمن في الاستهلاك لا في القيمة، مع الاحتفاظ بكامل الاحترام لمن يمتلكون أخلاقاً وقيماً تقنن أعمالهم.
لم يتوقف الأمر عند حدود الإقناع، بل تجاوز ذلك إلى خلق ما يشبه الهوس الجماعي بالترند، ذلك المصطلح الرقمي الذي حول الاستهلاك إلى فعل جنوني، فأصبحنا نرى الناس تتهافت على اقتناء سلع لا يحتاجون إليها، لمجرد أنها أصبحت «ترند»، وكأن امتلاكها صك عبور نحو الحياة السعيدة.
والأدهى من ذلك أن «الترند» بات يصنع قدوات وهمية، فبمجرد أن يتصدر شخص ما قائمة المشاهدات، يمنح تلقائياً لقب القدوة والموجه، وتفتح له عقول الكثيرين دون تمحيص لفكره أو خُلقه، وكأن الضجيج صار بديلاً عن الحكمة.
إننا نعيش في عالم بات فيه الجميع غرباء رغم ضجيج التواصل في فقاعة الفراغ المعنوي، وليلاحظ العاقل منا نزيف الأخبار المتلاحقة كالسيل، لا لبيان الحقائق، بل ليغرقنا في الحيرة، فأي صدق نرتجيه من نص بلا علم أو تخصص، أو من إعلان يروجه وجه يقبض ثمن إعجابه قبل أن يجرب السلعة؟
إن الخطر الحقيقي لا يتوقف عند تزييف خبر أو ترويج سلعة، بل يمتد لينال من جوهر قيمنا، حين يصبح الخداع ذكاء، والتضليل شطارة، والوصول السريع غاية تبرر الوسيلة، فهنا تبدأ الثقة بالاهتزاز.
هذا المشهد المادي يجعلنا نشكك في جدوى النزاهة، ويخلق عالماً يقدس المظهر دون الالتفات للجوهر، ويهدد بتفكيك الروابط الأخلاقية التي هي صمام الأمان لأي مجتمع.
هنا تجد أن الشك ليس مجرد حالة ذهنية، بل أصبح ضرورة أخلاقية، فهو شك حميد في زمن لم نعد نفرق فيه بين الغث والسمين. إن الشك المنهجي هو القلم الوحيد الذي يجب أن يبقى معنا، ليس لرفض كل شيء، بل لتمحيص أي شيء لا يقنعنا.
إننا بحاجة إلى استعادة البوصلة وسط هذا الضباب الرقمي، وأن ندرك أن مصداقية الكلمة لا تقاس بعدد الإعجابات ولا بجمال الوجوه، بل بمدى توافقها مع نبض الواقع واحتياجات الإنسان الحقيقية.
في حربنا هذه، تكون النجاة لمن يملك عيناً تبصر ما وراء الفلتر، وعقلاً يرفض أن يكون مجرد مساحة للإيجار، ولمن لا تتأثر قناعاته بمن يملك صوتاً أعلى أو وجهاً أكثر جاذبية، ما لم يقتنع عقله.