في الأسبوع الماضي قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها لا تستطيع فهم ما يدور في عقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
كلام كالاس كان رداً على سؤال صحفي يقول: هل تعتقدين أن ترامب يريد معاقبة المستشار الألماني فريدريش ميرتس؟، لكن الإجابة تعبر بوضوح عن الصعوبات التي تكتنف العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
والسؤال المنطقي هو: إذا كانت أعلى مسؤولة سياسية أوروبية لا تعرف ما الذي يدور في ذهن الرئيس الأمريكي، فكيف يكون الحال بالنسبة لبقية دول وقادة العالم؟!
مبعث السؤال هو أن هناك علاقة خاصة جداً بين أمريكا وأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تجسدت في العديد من الهيئات والمنظمات والاتحادات والتحالفات، أبرزها حلف شمال الأطلسي «الناتو» الذي يتعرض بدوره لتهديدات أمريكية تهدد وجوده نفسه.
نعود للبداية ونقول إن كالاس تتحدث على خلفية قرار ترامب الذي فاجأ الكثيرين قبل أيام بسحب 5 آلاف من الجنود الأمريكيين المتمركزين في ألمانيا وعددهم أكثر من 35 ألف جندي في إطار خطة لسحب مزيد من الجنود الأمريكيين من أوروبا.
كالاس قالت إن القرار مثّل مفاجأة تامة لأوروبا التي تجد نفسها أمام تحدٍ دفاعي جديد. في تقدير كالاس والعديد من المسؤولين والمحللين الأوروبيين، فإن هذا القرار يفترض أن يدفع أوروبا إلى تعزيز الركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو، خصوصاً أن ترامب يهاجم الحلف بصفة منتظمة، وبالتالي لم يعد ملتزماً بصورة واضحة بأمن القارة العجوز.
نعلم تماماً أن ترامب يضغط على أوروبا، التي تشكل دولها غالبية أعضاء الحلف البالغ عددها 32 دولة ليزيدوا من مساهماتهم المالية لتصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة.
وهو يقول إنه لا يمكن الاستمرار في نمط الإنفاق الحالي الذي يجعل ميزانية الدفاع الأمريكية تصل لنحو تريليون دولار، في حين أن إجمالي ميزانيات بقية كل دول الحلف مجتمعة لا تزيد على نصف هذا المبلغ، أي نحو 500 مليار دولار.
ما يقلق أوروبا أن إعلان ترامب ليس مجرد قرار عابر، لكنه أعلن أنه سيشمل العديد من الدول الأوروبية وتقليصات أكبر لاحقاً، وأن الانسحاب يشمل وحدات صواريخ بعيدة المدى، ولواء قتالياً، ضمن القوات الموجودة هناك منذ انتصار الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة على ألمانيا النازية ودول المحور في الحرب العالمية الثانية التي بدأت عام 1939 وانتهت عام 1945.
في ظنّي أن قرار ترامب ليس مفاجئاً كما تقول كالاس، فهو دائم الانتقاد للاتحاد الأوروبي ولحلف شمال الأطلسي منذ وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017، ثم عودته مرة أخرى عام 2024، بل وهدد علناً بأنه إذا لم ترفع دول حلف الناتو من مساهماتها المالية فإنه سيتركها فريسة كي تقوم روسيا بالتهامها.
ولا يخفي ترامب أيضاً انتقاداته المتكررة للاتحاد الأوروبي، ويتمنى أن يراه مفككاً، لكن الذي زاد من الصدام بين الجانبين أن ترامب دعا دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو إلى الانضمام إليه في المعركة ضد إيران، خصوصاً في فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران مع اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، لكن الجميع رفض، بل إن المستشار الألماني ميرتس وغيره من قادة أوروبا قالوا لترامب بوضوح:
«هذه ليست حربنا»، ولا تنطبق عليها المادة الخامسة من ميثاق «الناتو»، التي تدعو دول الحلف للانضمام إلى أي عضو يتعرض للعدوان من طرف خارجي.
ومن أسباب الصدام أيضاً أن ترامب لا يخفي تأييده لكل القوى والأحزاب اليمينية المتشددة، كما أن ترامب أعاد توجيه الاستراتيجية الأمريكية لتركز أكبر على مناطق مثل المحيطين الهادي والهندي وأمريكا اللاتينية بدلاً من التركيز على أوروبا.
وإذا كانت كالاس لا تفهم ما يدور في عقلية ترامب، فذلك كان مضمون رد فعل غالبية الأوروبيين وحلف الأطلسي، والأخير طلب توضيحاً لقرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا بسبب غموضه، ومخاوفه من أن ذلك سيضعف الردع ضد روسيا.
ودعت العديد من الدول الأوروبية إلى ضرورة أن يقود القرار أوروبا إلى ضرورة أن تدافع عن نفسها، وبالتالي فهي تحتاج لبناء قدرات دفاع مستقلة وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. والحزب الديمقراطي الأمريكي رأى في قرار ترامب تقويضاً للناتو، بل إن أعضاء من حزب ترامب الجمهوري أبدوا قلقاً من إضعاف الأمن الأوروبي.
المراقبون المحايدون يعتقدون أن تطبيق قرار ترامب على أرض الواقع سيقود إلى إعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي وزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، واحتمال ظهور ترتيبات دفاعية أوروبية مستقلة، لكن ذلك سيكلف أوروبا ميزانية ضخمة ستؤثر في مستويات المعيشة لمواطنيها. في كل الأحوال، وإذا كانت كالاس لا تفهم عقلية ترامب، فالمؤكد أن هناك مستقبلاً شديد الغموض للعالم أجمع لا يعلمه إلا الله.