استمرارية جودة الحياة الوظيفية

مشاعرنا تجاه بيئة العمل هي مؤشر على مدى جودة حياتنا الوظيفية. المشاعر ليست مواقف عابرة بل تراكمات لمجريات العمل ومناخه.

الدراسات الحديثة تشير إلى أن الناس تترك وظائفها بسبب «البيئة الخانقة»، التي لا تقدر الجهود المبذولة، ولا الإبداع، ولا تمنح أجوراً عادلة ولا استقلالية كافية وغيرها، ولذلك حاول العلماء، يقودهم رائدهم الأستاذ في جامعة هارفارد، ريتشارد والتون، البحث عن معايير علمية، تقيس تلك المشاعر حتى لا نخسر خيرة كفاءاتنا، بسبب انطباعات طبيعية عابرة، فمن البديهي أن يغضب ويُحبط ويَستَغرب العاملون من قرارات أو ردود أفعال، لأن هذه هي سُنة العمل الجماعي، التي تحمل في طياتها خليطاً من المشاعر، غير أنه من غير الطبيعي أن تتراكم المشاعر لتولد إحباطاً واحتراقاً وظيفياً، بسبب تجاهل ما ألم بنا طوال هذه المدة.

جودة مشاعرنا في أروقة العمل تعكس مسألة التوازن بين مسؤولياتنا المهنية والحياتية، ولذلك ذكر المتألق د. مشاري الشلهوب، الرئيس التنفيذي لشركة تشكيل للاستشارات الإدارية، أرقاماً مهمة في مؤتمر «تشكيل» السنوي، تعكس حاجة العاملين إلى أمور تحسن من جودة راحتهم، فقد تبين أن 40 في المائة من الناس تنخفض إنتاجيتهم عند شعورهم بالإرهاق، وتتضاعف احتمالية الاستقالة ثلاث مرات مع غياب المرونة.

هذه المرونة أثبتت أنها في غاية الأهمية، خصوصاً في الأزمات، وقد نجحت في تسيير الأعمال خلال جائحة كورونا، وإبان العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج، كما أنها تساعد الفرد على التكيف مع احتياجاته.

في إحدى الشركات التي أعمل فيها عضواً في مجلس الإدارة، طبقنا نظام العمل «الهجين»، الذي يجمع بين الحضور أحياناً، والعمل عن بعد، وقد حقق نجاحاً كبيراً والتزاماً من قبل الموظفين.

كانت محاولة لرفع جودة الحياة الوظيفية، ولذلك لا أستغرب حينما أجد شخصاً على استعداد للتضحية بزيادة في الراتب في مؤسسات أخرى مقابل البقاء في منظمته الحالية، التي تمنحه ذلك القدر الكبير من المرونة والثقة للعمل كيفما شاء، وقد صار لدينا مؤشرات يمكن من خلالها متابعة وقياس الإنتاجية، وعليه لفتني ما ذكر د. الشلهوب من أن الأرقام تشير إلى ارتفاع الأداء بنسبة الربع (25 %)، بسبب المرونة التي يتمتع بها الناس، وأن 60 في المائة من العاملين عموماً يفضلون العمل الهجين.

محاولات البروفيسور والتون أجريت عليها العديد من التعديلات حتى صارت محاور جودة الحياة الوظيفية الأساسية هي الصحة النفسية، والتوازن بين العمل والحياة، والانتماء المؤسسي، والقيادة والثقافة التنظيمية، والتطوير المهني، والرفاه الجسدي والاجتماعي. ولحسن الحظ، هناك مؤشرات علمية لقياسها بسهولة، ونقدم ذلك في العديد من الأعمال الاستشارية.

هذا بحد ذاته توجه حكيم من المؤسسات، التي تنفق ملايين المبالغ على كل شيء، وتنسى عمود الخيمة في كل منظمة «الإنسان».

لماذا يستقيل؟ وما مشاعره الحقيقية؟ ولذلك يجب أن يقاس ذلك كله بسرية تامة «لا» تؤثر على علاقاته المهنية، ولا مساره الوظيفي. هذه البيانات التي نستقيها من بيئات العمل تساعدنا على تقديم تشخيص شامل ومتكامل عن الواقع، وما يجب عمله لتوفير مناخ صحي للعطاء والتألق.

قبل أيام التقيت صاحب أول محاولة عربية من نوعها، وهي إطلاق «دليل جودة الحياة المهنية للأفراد والمؤسسات»، وهو د. محمد الفراجي من سلطنة عمان.

هو باختصار دليل خليجي لجودة الحياة المهنية، بحسب القطاع، يركز على محاور رئيسة منها: الاستقرار الوظيفي، والصحة النفسية، والتدريب المستمر، والتقدير المهني، والمرونة في العمل، وهذا مؤشر على جدية بلداننا في تبني هذا الاتجاه.

هناك ما يسمى جودة الحياة عموماً، ولها مؤشرات يمكن قياسها ووضعها في رؤية أي دولة ومؤسسة، وهناك جودة الحياة الوظيفية أو ما يطلق عليه أحياناً «جودة حياة العمل»، وهي أساس مهم، بدأت منظمات خليجية ترسخ دعائمه، وهو أمر يبشر بمستقبل واعد لبيئات العمل على المدى القصير والطويل.

جودة الحياة الوظيفية ليست فعالية عابرة بل نظام مستدام ومستمر تبرز قوته في الأزمات عندما يتشبث العاملون بمؤسساتهم مهما كان حجم التحديات التي تمر بها.