بعد وصول النظام الإيراني الفاجر الحالي إلى السلطة في طهران سنة 1979، وشروعه في خنق الحريات، ومطاردة المثقفين والمبدعين، ومراقبة الأنشطة الفنية، تحت ذرائع مختلفة، لم يجد الكثيرون من رموز الغناء والتمثيل والإخراج والتأليف بُداً من ترك وطنهم ومرابع ذكرياتهم، والهجرة إلى دول تحترم آدميتهم وتصون كرامتهم وتوفر لهم حرية العمل والإبداع.
أحد هؤلاء كان الملحن ومغني البوب وعازف الساكسفون الشهير ومؤسس فرقة القطط السوداء «حسن شماي زاده» المولود في أصفهان في 15 يناير 1943 والذي تجاوز عمره اليوم الثمانين عاماً، ويعيش في الولايات المتحدة الأمريكية منذ خروجه من إيران سنة 1979م.
في زمن النظام الشاهنشاهي، قام شماي زاده بتطوير لحن وموسيقى أغنية «منْ آمدة أمْ» الشهيرة التي غنتها المطربة الإيرانية المعروفة «غوغوكش» سنة 1976، من كلمات وألحان الموسيقار والشاعر الغنائي الأفغاني «جليل زلاند».
بدأ الرجل مسيرته في أصفهان في سن الثالثة عشرة من خلال العزف على آلة الكلارينيت وآلات النفخ الأخرى ضمن أوركسترا أحد المسارح، وبعد تخرجه في «ثانوية الأدب» بأصفهان سنة 1962 انتقل إلى طهران، حيث عمل في دار الإذاعة سنة 1966، وفي الوقت نفسه كان يعزف ضمن فرق موسيقى الجاز والبوب الشبابية.
هذا قبل أن يتجه إلى التلحين والتعاون مع بعض الفرق الإسبانية، وممارسة العزف على البيانو والسكسافون في المراكز الثقافية. وفي هذه الفترة الخصبة من حياته لحن بعضاً من أشهر أغاني البوب الإيرانية بأصوات فنانين وفنانات من أمثال غوغوش وداريوش ومعين وحميرا وهايدا ومهاستي وليلى فروهر وعارف وغيرهم.
ونجد في سيرته المنشورة أنه اضطر في عام 1972 إلى التأليف الموسيقي، وترك العزف بسبب متاعب في فقرات عنقه ناجمة عن الإجهاد البدني الناجم بدوره عن العزف على آلات النفخ النحاسية الثقيلة لساعات طويلة كل يوم. وفي ما تبقى من سنوات السبعينات قبل سقوط نظام الشاه رسخ مكانته كملحن بارع ذي شعبية طاغية، بدليل حصوله على المركز الأول من بين 209 مشاركين في مهرجان إسطنبول للموسيقى عام 1975.
ومن الأدلة الأخرى على نبوغه وجماهيريته أن أغنيته «مرداب» التي كتب كلماتها «أردلان سرفراز» ولحنها «فاروجان»، بيع منها حوالي مائتي ألف أسطوانة، ومنها أيضاً أن مجلة «زان روز» (سيدة اليوم) اختارته في عام 1975 كأفضل مغن وملحن بحصوله على أكثر من 50 ألف صوت.
في أعقاب ثورة الملالي، كتب أعضاء من منظمة فدائي خلق الماركسية المتطرفة شعارات على منزله تصفه بالرأسمالي الذي يجب أن يُعدم، ثم حدث هجوم على منزله، فاضطر للاختباء في منزل ضابط عسكري من أتباع البلاط الملكي، إلى أن تمكن من الفرار سراً إلى كوبنهاغن على متن رحلة إسعاف جوي، ومنها هرب إلى الولايات المتحدة، لكنه عاد إلى وطنه بعد 4 أشهر، ليرى أنه من المحال البقاء في ظل نظام الخميني، فغادر إيران نهائياً للاستقرار في لوس أنجلوس. وخلال الثمانينات والتسعينات كان من أكثر فناني البوب الإيرانيين إنتاجاً، حيث أصدر 17 ألبوماً كمغن، ولحن لمعظم نجوم الغناء الإيراني في المنافي، مثل منصور وشيلا وأميد وسوزان روشان وشهره سلطاني.
تميزت ألحان شماي زاده مثل: «تولو» و«كاغزسفيد» و«بشتر بشتر» و«داماد» و«يك دوختر» و«تولد» و«عروسي» و«عشق طوفاني» بموسيقاها العاطفية ذات الإيقاعات المفعمة بالحيوية والحركة.
في عام 2006 أعلن أنه لن يلحن لآخرين وسيكتفي بالغناء والتلحين لنفسه، مشيراً إلى شعوره بالاستغلال وتجاهل حقوقه، لكنه استثنى المطربة غوغوش قائلاً إنها مختلفة، حيث تعاون معها بعد 40 عاماً من تعاونهما الأول من خلال أغنية «مثلث الذكريات» التي طافا بها معاً في جولات على مواطنيهما في المهجر الكندي.
وأخيراً، نفى الرجل أنه من أتباع مجاهدي خلق أو أتباع المطالب بعرش أبيه رضا بهلوي، مؤكداً أنه مع أي مشروع وطني حقيقي يستهدف إزالة النظام الحالي واستعادة الحريات والحقوق المقموعة.
