عنوان هذه المقالة مستفاد من قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، وإنّما اقتصرتُ على ذكر الجبال اكتفاءً بذكر الجزء للدلالة على الكلّ حين يكون معروفًا لدى القارئ على ما هو معهودٌ من عادات العرب في كلامها البليغ.

وهي مقابلةٌ تشير إلى الإحساس العظيم بمسؤوليّة الأمانة الّتي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال لِما يترتب عليها من المساءلة بين يدي العزيز الحكيم الّذي استخلف الإنسان في هذه الأرض لكي يقوم بأداء هذه الأمانة ابتداءً من أعظم شعائر الإسلام وهي أمانة التوحيد وانتهاءً بآدابه اللطيفة مثل إماطة الأذى عن الطريق، وهو ما عبّر عنه سيّدنا إبراهيم الخليل، على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام، حين دعا ربه قائلاً: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}؛ قال البيضاوي في تفسيره:

«ربّ هبْ لي كمالاً في العلم والعمل، أستعدّ به لخلافة الحقّ ورئاسة الخلق»، ولن يكون ذلك على أكمل وجه إلا بأداء أمانة الدين والدنيا على أكمل الوجوه.

استلهاماً من هذه المعاني العظيمة لمعنى الأمانة، سطّر صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تغريدة عميقة المحتوى، صادقة التأثير كتبها على حسابه الشخصي وجعلها تحت الوسم الشهير الّذي كتب تحته أروع الأفكار وهو وسم «علّمتني الحياة» .

حيث لا يزال هذا المعلِّمُ الكبير الّذي أصبحت حياته سِفْراً من أسفار الحكمة يرتقي به إلى مصاف المعلِّمين الكبار لهذه الإنسانيّة بتأمّلاته العميقة وخبراته الرائعة، لا يزال هذا الشيخ الجليل يكتب كلمة «علّمتني الحياة» ليقول للأجيال:

إنّ الحياة كلّها سعيٌ نحو المعرفة والتعلُّم، ورحلةٌ لا تتوقّف نحو بلوغ الكمال الإنساني، ومَنْ مثل صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد يتكلّم عن هذه القيمة الأخلاقيّة الرائعة في بناء الإنسان وهو الّذي نهل أصفى دروس الحكمة من خيرة القادة وخيرة الآباء والأمّهات.

«علّمتني الحياة: أنّ المسؤوليّة أمانة»، بهذه الكلمات الخمس يرسّخ صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد أعظم دروس الحياة حين يؤكِّدُ بحرف التوكيد «أنّ» أنّ المسؤوليّة أمانة، وغير خافٍ أنّ لام التعريف في كلمة المسؤوليّة هي لاستغراق الجنس من أجل الدلالة على جميع أنواع المسؤوليّة وأشكالها ابتداءً من رأس الدولة وانتهاءً بآخر موظّفٍ في الوطن مروراً بجميع أشكال المسؤوليّة الّتي يتحمّلها الآباء والمعلِّمون والموظّفون والتجّار وكلّ أطياف المجتمع.

ولا يخفى أيضاً ما تشتمل عليه كلمة الأمانة من بُعدٍ أخلاقيّ يجعلها عملاً من أعمال الضمير الّذي قد لا يطّلعُ عليه الناس بحيث يكون الإنسان مسؤولاً عن واجباته أمام ضميره الشخصيّ واستحضاره للرقابة الإلهيّة والأخلاقيّة لجميع تصرّفاته الّتي تفرضها عليه مسؤوليّاته وواجباته.

«والمسؤول الّذي يكون همّه نجاحه الشخصي فقط ليس أميناً» في هذا المقطع من التغريدة يُقدّم صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد فهماً جديداً للنّجاح يربطه بالنجاح الجماعيّ، وأنّ مهمّة المسؤول هي النجاح بالعمل ضمن الفريق الكامل للمؤسّسة، وأن لا يكون أكبر همّه هو النجاح الشخصيّ الّذي يضمن له الوصول إلى المراتب العليا حتى لو كان ذلك على حساب المؤسّسة.

فهذا السلوك حتى لو كان موسوماً بوصف النّجاح فهو في نظر صاحب السموّ ليس من الأمانة في شيء، فالأمانة عنده هي الانخراط في المجموع لتحقيق أعظم الأهداف الّتي تكون إنجازاً للفريق بكلّ أفراده تعزيزاً لروح العمل الجماعيّ وتجفيفاً لروح الأنانيّة الفرديّة الّتي قد تؤدّي إلى منافسةٍ غير شريفةٍ ولا أخلاقيّة في بعض الأحيان.

«المسؤول الّذي لا يحرص على نجاح بقية المسؤولين في الوطن ليس أميناً»، في هذا المقطع يزداد أفق المسؤوليّة اتّساعاً في نظر صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد.

حيث يؤكِّدُ مرّة أخرى أنّ المسؤول الّذي لا يعمل بحرصٍ حقيقيٍّ على نجاح بقية المسؤولين ليس مسؤولاً أميناً، لأنّه لا ينتمي إلى هذا الوطن الّذي هو مظلّة للجميع وخيمة تحمي كلّ من يدخلها من لهيب الهجير وصقيع الشتاء، فكلّ من لا يمتلك قلباً يتّسع لكلّ أبناء الوطن فليس هو بالرجل الأمين في نظر سموه وميزانه.

«الأنانيّة في النجاح في العمل العام هي خيانةٌ للأمانة، لأنّ الوطن لا يتجزّأ»، ولا يزال الأفق يزداد اتّساعاً أمام ناظري صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد الّذي نشأ على حبّ هذا الوطن كاملاً، ولم يتصوّر يوماً واحداً أن ينحاز لغير وطنه المتكامل والّذي لا يقبل التجزئة، فظلّت هذه الرؤية هي الهادي له إلى سواء الطريق في مسيرته المظفّرة في بناء الوطن والإنسان.

«المسؤوليّة هي أن تحمل همّ الوطن، كلّ الوطن، حتّى لا تكون همّاً عليه»، ثمّ كانت هذه الجوهرة الأخلاقيّة الفريدة الّتي ختم بها صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد هذه التغريدة البديعة حين ربط بين المسؤوليّة والشعور بالهمّ الوطني الّذي يشمل جميع أجزاء الوطن لا لشيءٍ إلا لأنّ الوطن كالجسد الواحد.

ومن لا يحمل همّه وطناً كاملاً في قلبه وعقله ووجدانه كان هو همّاً ثقيلاً على قلب الوطن الّذي لا يخفق إلا بالحبّ الصافي الّذي يستحقّه من جميع أبنائه الّذين يعيشون على ثراه ولسان حالهم ينشد مع ابن الرومي حيث يقول: ولي وطنٌ آليتُ ألّا أبيعه.. وألّا أرى غيري له الدهرَ مالكا.