وهي مقابلةٌ تشير إلى الإحساس العظيم بمسؤوليّة الأمانة الّتي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال لِما يترتب عليها من المساءلة بين يدي العزيز الحكيم الّذي استخلف الإنسان في هذه الأرض لكي يقوم بأداء هذه الأمانة ابتداءً من أعظم شعائر الإسلام وهي أمانة التوحيد وانتهاءً بآدابه اللطيفة مثل إماطة الأذى عن الطريق، وهو ما عبّر عنه سيّدنا إبراهيم الخليل، على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام، حين دعا ربه قائلاً: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}؛ قال البيضاوي في تفسيره:
«ربّ هبْ لي كمالاً في العلم والعمل، أستعدّ به لخلافة الحقّ ورئاسة الخلق»، ولن يكون ذلك على أكمل وجه إلا بأداء أمانة الدين والدنيا على أكمل الوجوه.
حيث لا يزال هذا المعلِّمُ الكبير الّذي أصبحت حياته سِفْراً من أسفار الحكمة يرتقي به إلى مصاف المعلِّمين الكبار لهذه الإنسانيّة بتأمّلاته العميقة وخبراته الرائعة، لا يزال هذا الشيخ الجليل يكتب كلمة «علّمتني الحياة» ليقول للأجيال:
إنّ الحياة كلّها سعيٌ نحو المعرفة والتعلُّم، ورحلةٌ لا تتوقّف نحو بلوغ الكمال الإنساني، ومَنْ مثل صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد يتكلّم عن هذه القيمة الأخلاقيّة الرائعة في بناء الإنسان وهو الّذي نهل أصفى دروس الحكمة من خيرة القادة وخيرة الآباء والأمّهات.
ولا يخفى أيضاً ما تشتمل عليه كلمة الأمانة من بُعدٍ أخلاقيّ يجعلها عملاً من أعمال الضمير الّذي قد لا يطّلعُ عليه الناس بحيث يكون الإنسان مسؤولاً عن واجباته أمام ضميره الشخصيّ واستحضاره للرقابة الإلهيّة والأخلاقيّة لجميع تصرّفاته الّتي تفرضها عليه مسؤوليّاته وواجباته.
فهذا السلوك حتى لو كان موسوماً بوصف النّجاح فهو في نظر صاحب السموّ ليس من الأمانة في شيء، فالأمانة عنده هي الانخراط في المجموع لتحقيق أعظم الأهداف الّتي تكون إنجازاً للفريق بكلّ أفراده تعزيزاً لروح العمل الجماعيّ وتجفيفاً لروح الأنانيّة الفرديّة الّتي قد تؤدّي إلى منافسةٍ غير شريفةٍ ولا أخلاقيّة في بعض الأحيان.
حيث يؤكِّدُ مرّة أخرى أنّ المسؤول الّذي لا يعمل بحرصٍ حقيقيٍّ على نجاح بقية المسؤولين ليس مسؤولاً أميناً، لأنّه لا ينتمي إلى هذا الوطن الّذي هو مظلّة للجميع وخيمة تحمي كلّ من يدخلها من لهيب الهجير وصقيع الشتاء، فكلّ من لا يمتلك قلباً يتّسع لكلّ أبناء الوطن فليس هو بالرجل الأمين في نظر سموه وميزانه.
ومن لا يحمل همّه وطناً كاملاً في قلبه وعقله ووجدانه كان هو همّاً ثقيلاً على قلب الوطن الّذي لا يخفق إلا بالحبّ الصافي الّذي يستحقّه من جميع أبنائه الّذين يعيشون على ثراه ولسان حالهم ينشد مع ابن الرومي حيث يقول: ولي وطنٌ آليتُ ألّا أبيعه.. وألّا أرى غيري له الدهرَ مالكا.