أحياناً يبدأ الفهم من عمق لا تبلغه العين، من تلك اللحظة التي يهبط فيها الغواص إلى القاع، حيث يتسع الصمت، ويضيق النفس، وتصبح الإرادة هي المساحة الوحيدة التي يتحرك فيها الإنسان. هناك، في قلب البحر، تشكلت ملامح الإنسان الإماراتي الأولى، وتكوّن ذلك الهدوء العميق الذي يرافقه في قراراته، وفي حضوره، وفي طريقته في مواجهة الحياة.
وقد علمت بالأمس عن برنامج متحف زايد الوطني، الذي بدأ في الأول من مايو 2026، ويتضمن ورش عمل وتجارب تفاعلية، مثل برنامج الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، الذي يستعرض الأهمية الثقافية لهذه الحرفة التاريخية، إضافة إلى فعاليات خاصة بالذكرى الـ50 لتوحيد القوات المسلحة الإماراتية، فشعرت وكأن الدعوة موجهة لي شخصياً للعودة إلى تلك الجذور التي نكتب عنها ونعيشها، ومن وجهة نظري، تمثل هذه الفعالية مساحة حية يلتقي فيها التاريخ بالوجدان، ويجد فيها الإنسان الإماراتي نفسه بين موج البحر وصلابة الميدان، ولهذا أحمل شغفاً حقيقياً لأن أكون من أوائل الزائرين، لأعيش هذه التجربة بكامل تفاصيلها، وأتأمل كيف تستمر الحكاية، وكيف تتجدد في كل جيل بصورة أعمق وأقرب.
برنامج متحف زايد الوطني في شهر هو مساحة تعيد ترتيب الحكاية من جذورها، فالتجربة تأخذ شكل رحلة وعي تقودنا نحو فهم الكيفية التي صاغت بها التفاصيل الصغيرة تاريخاً كاملاً، فكما تعلمنا من أجدادنا وأسلافنا فإن الغوص على اللؤلؤ حمل في داخله نظام حياة متكاملاً، تحرك فيه الإنسان بين الرزق والخطر، وبين المجهول والإيمان، فتعلم قراءة الطبيعة، وأتقن الصبر، واكتسب القدرة على انتظار اللحظة المناسبة.
اللؤلؤ شكّل لغة تواصل مع العالم، ومن خلاله نسج الأجداد علاقاتهم مع موانئ بعيدة، وفتحوا لأنفسهم أبواباً في أسواق متعددة، وهذه الحركة حملت وعياً مبكراً بقيمة الموارد، وبأهمية تحويل ما تمنحه البيئة إلى قوة اقتصادية حقيقية، ولذلك فإن هذا النشاط سوف يكون درساً حياً في التفكير، وفي تحويل الإمكانات المحدودة إلى مشروع حياة واسع.
شخصية النوخذة تتقدم بوصفها نموذجاً للقيادة التي تقوم على الخبرة، وعلى القدرة على اتخاذ القرار في لحظات دقيقة، وعلى قراءة البحر والرجال في آنٍ واحد، فالنوخذة حمل مسؤولية جماعية، وصاغ توازناً دقيقاً بين الحزم والعدل، فصنع بيئة عمل قائمة على الثقة والانضباط، وهذه القيم والحمد لله تستمر اليوم في جميع مؤسساتنا، وتظهر في نماذج القيادة التي تجمع الفريق حول هدف واضح، وتمنحه القدرة على الاستمرار.
ومع اقتراب الذكرى الخمسين لتوحيد القوات المسلحة الغالية، يتسع هذا المعنى ليشمل صورة الوطن بكاملها، فالقرار الذي اتخذه المغفور له الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، جاء برؤية عميقة أدركت أن قوة الوطن تنبع من تماسك أبنائه، فجمعت خطوة التوحيد الإرادة، وصاغت هوية وطنية جامعة، حملت في داخلها روح «الفريج»، وقيم «السنع»، ورفعتها إلى مستوى الدولة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت مسيرة متصلة من البناء والتطور لم تتوقف، فالقوات المسلحة أصبحت درعاً تحمي الأرض والإنسان، كما فعلت حين امتدت يد الغدر في الأسابيع والشهور الماضية، وتقدمت بخطى ثابتة نحو تميز لا مثيل له، مستندة إلى رؤية واضحة، وإلى منظومة قيمية راسخة، ولذلك انعكس هذا التطور والتميز على شغف الإنسان الإماراتي بالإنجاز، وترجم قدرته على تحويل الطموح إلى واقع ملموس.
متحف زايد الوطني أصبح فعلاً جامعة تربط الذاكرة والحاضر، فالغواص الذي نزل إلى القاع بحثاً عن اللؤلؤ، والجندي الذي يقف اليوم على الحدود، يتحركان في مسار واحد، يؤديان دوراً واحداً بصيغ مختلفة، أحدهما حفظ مصدر الرزق، والآخر يصون الأرض والسيادة، وفي هذا الامتداد تتشكل صورة الإنسان الإماراتي في اكتمالها.
الخدمة الوطنية تفتح هذا المسار أمام الجيل الجديد، وتمنحه فرصة للاتصال بجذوره بطريقة عملية، مفهوم «الفزعة» يتجدد هنا في صيغة معاصرة، تعزز الانتماء، وتبني وعياً يدرك أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة. هذا الامتداد يصنع جيلاً يحمل ذاكرته، ويتحرك بثقة نحو مستقبله.
هنا تتجمع التفاصيل في صورة واحدة واضحة، من صرخة «الهولو» التي كانت تشق صمت البحر، إلى خطوات الجندي التي تثبت إيقاع الأرض، تتكرر الحكاية ذاتها، بصيغ متعددة ومعنى ثابت، فهذا الوطن قام على قيم واضحة، واستمر بقوة هذه القيم، ويواصل تقدمه مستنداً إلى ذاكرة حية تعرف طريقها. وهنا تكتمل الصورة حين تُروى هذه الحكايات في متحف زايد، فإنها تمنح الحاضر عمقاً، وتؤسس للمستقبل بثبات، وتؤكد أن الإنسان الإماراتي يواصل السير بثقة، لأنه يحمل في داخله تاريخاً متصلاً، ومعنى راسخاً يقوده نحو الغد.