الخروج من أوبك ونهج الإمارات الجديد

يخطئ من يعتبر أن قرار الإمارات بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» وتكتل «أوبك +» اعتباراً من الأول من مايو 2026، هو قرار انفعالي أو رد على مواقف وسياسات صادرة من هذا الطرف أو ذلك، فقيادتنا الرشيدة .

كما عودتنا دائماً تُخضع كل قرار لدراسات مستفيضة ومتأنية، والبوصلة دائماً هي المصلحة الوطنية للإمارات، وضمان الازدهار والرفاهية للشعب الإماراتي.

فعلى مدى نحو 60 عاماً، حرصت الإمارات منذ انضمامها لمنظمة أوبك عام 1967، على الالتزام الصارم بالقرارات الصادرة عن المنظمة، بهدف ضمان استقرار أسواق النفط العالمية.

ورغم ما شهدته المنظمة من تباينات في مواقف وسياسات الدول الأعضاء في المنظمة، وعدم تقيد بعضها بنظام الحصص المقررة في كثير من الأحيان، وفرض قرارات معينة بدوافع سياسية لا تبررها الحاجة الفعلية لأسواق النفط العالمية، رغم ذلك التزمت الإمارات بحصصها ودورها البناء في المنظمة.

لكن عوامل كثيرة جعلت الإمارات تعيد النظر في عضويتها في هذه المنظمة، مع تحولها مع مرور الوقت إلى عبء على طموح الدولة التنموي. فعلى مدى سنوات أدت الاستثمارات الكبيرة للدولة في البنية التحتية لقطاع التنقيب عن النفط والإنتاج إلى زيادة إمكاناتها الإنتاجية بشكل ملحوظ.

حيث وسعت دولة الإمارات قدرتها الإنتاجية إلى حوالي 4.85 ملايين برميل يومياً، مع تقدير إجمالي الطاقة الإنتاجية بما يتراوح بين 4.8 و5 ملايين برميل يومياً. ومع ذلك،غالباً ما أبقت حصص أوبك الإنتاج الفعلي دون هذه المستويات.

ويعني ذلك أن هناك إمكانيات كبيرة للدولة غير مستغلة ما يفاقم من تكلفة الفرصة البديلة المرتبطة بالبقاء في نظام الحصص، من حيث الإنتاج الضائع والإيرادات المفقودة.

علاوة على ذلك هناك عوامل سياسية لا يمكن إغفالها، فمنظمة أوبك وكذلك أوبك بلس تحولتا في كثير من الأحيان إلى مجرد أداة سياسية توظفها بعض القوى الكبرى المنتجة، ولم يكن في بعض الأحيان أخذ مواقف أو مصالح المنتجين الآخرين بعين الاعتبار.

كما أن التواجد في عضوية منظمة قامت إحدى الدول الأعضاء فيها بالعدوان الغاشم على الإمارات ودول أعضاء أخرى على مدى نحو شهر هو أمر يتجاوز المنطق السليم.

انسحاب الإمارات من أوبك في هذه المرحلة هو قرار جريء ويعكس نهج الإمارات الجديد، الذي يقوم على الحسم في اتخاذ القرارات التي تحقق المصالح الوطنية العليا، بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى.

وهذا القرار يعزز بلا شك من مصالح الإمارات الوطنية، فمن شأنه أن يُعزز المرونة الاقتصادية لدولة الإمارات، ويُقوي استقلالها الجيوسياسي، ويُحسّن مواءمة استراتيجيتها في مجال الطاقة مع أهداف ما بعد النفط طويلة الأجل. فالعمل خارج أوبك يمنح دولة الإمارات مجالاً أوسع للاستجابة السريعة لإشارات السوق.

وجذب الاستثمارات الأجنبية، والاندماج بشكل أكثر فعالية في شبكات الطاقة العالمية، خاصة في وجود قاعدة إنتاجها منخفضة التكلفة، وقدراتها التكنولوجية المتقدمة، واقتصادها المتنوع بشكل متزايد، ما يعزز فرصها لتحقيق النجاح خارج الأطر المؤسسية التقليدية.

إن قرار الإمارات الخروج من أوبك هو إعلان رسمي لدخول الإمارات مرحلة جديدة في سياستها، تضع خلالها مصلحتها الوطنية فوق كل اعتبار، مع إعادة النظر في التحالفات القائمة، ومعرفة ما يخدم منها هذه المصلحة وما لا يخدمها.