شهر من غير موبايل.. تجربة كلها دروس

تجربة فريدة جداً ومختلفة، تلك التي نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية عن ثلاثين شاباً أمريكياً قرروا أن يجربوا ما لم يفكر فيه سواهم في الولايات المتحدة الأمريكية.

الشُبان الثلاثون لاحظوا انشغال العالم من حولهم بوسائل الاتصال الحديثة، ولاحظوا أن هذا الانشغال قائم بشدة في بلدهم وفي خارج بلدهم، ولاحظوا كذلك أنه انشغال يصل إلى حد الاستغراق الكامل الذي لا يَدَع للإنسان فرصة يكون فيها على طبيعته فلا يستغرقه شيء.

ومن المفهوم أن وسائل الاتصال الحديثة المقصودة هنا، ليست سوى أجهزة الموبايل الذكية بكل ما يجده إنسان العصر عليها من وسائل تواصل اجتماعي، أو من تطبيقات لا تكاد تترك شيئاً من أمور الحياة إلا وتغطيه.. ومن.. ومن.. إلى آخر ما يكتشف صاحب أي موبايل ذكي أنه أسير في قبضته بمجرد البدء في النظر في شاشة الجهاز.

الشبان الثلاثون قرروا أن يجربوا، وقرروا أن يكون الأمر في أياديهم لا في أيدي هذه الأجهزة، ولو لفترة قصيرة على سبيل التجربة لا أكثر، وكان قرارهم أن تمتد الفترة إلى ثلاثين يوماً، وألا يتعاملوا خلالها مع أي من هذه الأجهزة العصرية الذكية التي لا تكاد تخلو منها يد، والتي لا يكاد يمر يوم جديد، إلا ويكون قد جاء معه بطراز جديد منها!

ألقى الشبان بأجهزة الموبايل العصرية الذكية جانباً، وقرروا استخدام الأجهزة القديمة التي لا توصف بأنها عصرية ولا بأنها ذكية. إنها أجهزة للاتصال التليفوني وفقط، ونحن نذكرها جميعاً، وغالبيتنا بدأت رحلتها مع الموبايل بتلك الأجهزة التي تبدو اليوم، وكأنها صارت من مقتنيات المتاحف.

والتي إذا احتفظ أحدنا بجهاز منها، فليس إلا على سبيل الذكرى، وليس إلا على سبيل الرغبة في تأمل المسافة التي قطعها الموبايل، منذ أن كان مجرد جهاز بسيط لا يحمل على سطحه سوى عدد من الأزرار للاتصال فقط، إلى أن صار إلى ما نعرفه ونتابعه من تطور جديد فيه كل صباح تقريباً.

وليس سراً أن بعض الناس يفضل استخدام الجهاز القديم ببساطته، ويقدمه على الجهاز الجديد بإغراءاته وتعقيداته، والبعض الذي يفضل ذلك لديه أسبابه، وهي في الغالب أسباب خاصة بمدى القدرة على اختراق الجهاز القديم والتنصت على صاحبه. فما هو معروف أن اختراق الأجهزة العصرية سهل، وممكن، وميسور، وأن الأجهزة القديمة على العكس من ذلك، وهذا ما دفع بعضنا ممن لا يحبون أن ينتصت عليهم أحد، إلى استخدام الأجهزة القديمة ذات الأزرار البسيطة، التي لا تعقيد فيها ولا صعوبة.

كان قرار كل شاب من الشبان الثلاثين، أنه سوف يتوقف عن استخدام «جوجل مابس» في أثناء التنقل، وأنه لن ينشغل بتصفح وسائل التواصل الاجتماعي في أثناء انتظار الباص من العمل للبيت، أو العكس، وأنه سوف يرفع السماعات عن أذنيه. باختصار كان قرار كل واحد منهم أن يعود إلى نفسه، وأن يتخلص من كل هذه الأشياء التي تقيده، وتقيد عقله معه، فلا يكاد ينتبه إلى ما حوله، ولا يكاد يتأمل ما يمر به في طريقه مما يدعوه إلى تأمله فعلاً.

كان قرار الشبان الثلاثين أن الله خلقنا في أجواء من الطبيعة حولنا، وأن هذه الأجواء الطبيعية إنما خُلقت لنا، لا لنتجاوزها إذا مررنا عليها، ولكن لنعطيها حقها من التأمل، ومن الرؤية الحقة، لا الرؤية العابرة التي لا يتبقى منها في الرأس شيء. وعندما التقى الشبان أصحاب التجربة في آخر الفترة التي حددوها راح كل واحد يروي للآخرين ماذا وجد في هذه التجربة الفريدة حقاً.

وكان الدرس أن الطبيعة من حولنا تدعونا طول الوقت لنتوقف أمامها، وتدعونا إلى أن نسمعها وهي تتكلم لغتها، وتدعونا إلى أن نشاركها الاحتفال والحفاوة بالكون، وبخالق الكون العظيم، وتدعونا إلى أن نكون معها على موجة واحدة من الإرسال ومن الاستقبال.

وعندها سوف نسمعها وسوف تسمعنا، وسوف نراها وكأننا نراها للمرة الأولى، وسوف نتطلع إليها وكأن عصابة كانت على أعيننا فلم نكن بسببها نتمكن من رؤية وجوه الجمال حولنا.

هذه التجربة تدعونا إلى أن نتدبر دروسها، وتدعونا إلى أن ننتبه إلى أن الموبايلات العصرية الذكية إذا كانت قد صارت حاجة لا غنى عنها، فهي وسيلة لا غاية، واستخدامها لا بد أن يكون في هذا الإطار لا خارجه، وإلا، فإن الجهاز يصبح هو الذي يستخدم صاحبه لا العكس، ويصبح مهيمناً على مستخدميه إلى حدود تنتهك الآدمية نفسها.

ولعلنا نذكر أن مصطلحاً دخل اللغة الإنجليزية في السنة الماضية، وأنه كان يتشكل من كلمتين اثنتين هما «التعفن الدماغي» وكان القصد به وبهما أن حالة من الكسل العقلي تصيب الإنسان إذا قضى وقتاً أطول من اللازم على جهاز الموبايل في يده.

وأن أهل العلم لم يجدوا أفضل من مصطلح «التعفن الدماغي» لوصف هذه الحالة التي تصيب العقل من جراء طول التعرض لأجهزة الموبايل العصرية وتطبيقاتها التي لا نهاية لها.

وفيما يبدو، فإن الشبان الثلاثين قد قرأوا عن ذلك، وقرروا أن ينجوا بعقولهم مما ينتظرها لو استطابت العيش على الموبايل، ولا شيء في حقيقة الأمر يمنع أياً منا من أن يتحسس رأسه كلما أحس بأنه قضى على موبايله من الوقت أكثر مما يجب، ففي الطبيعة حولنا ما هو أولى بعقولنا من الموبايل.